كل شيء تقريبًا قد يستفزك للكتابة في بلادنا الصغيرة هاته الآونة، فلسفة أجنحة السلطة أن تجعل كل هذا حقًا متاحًا للجميع ومضمونًا. نحن سنفعل ما نشاء، تكلم كما تشاء أيها الافتراضي، املأ الفيسبوك صراخًا، أفرغ كل غضبك وانتقادك حول هذا الموضوع أو ذاك.

الآن وقد أكملت نوبة انفعالاتك، جاء الوقت لتنسى مصيباتنا هاته وتشغل نفسك بمصيباتنا القادمة التي لم تخطر ببالك قط. تكلم كما تشاء أيها الافتراضي، فنحن من نضحك أخيرًا وسنفعل ما نشاء.
كضحايا لنفس منطق العجرفة واستصغار الآخر لدرجة التحقير والتتفيه، ينجرف طلبة الجامعات العمومية في تونس اليوم على منحدر شلال عنيف، وقد داهمتهم الساعات والدقائق الأخيرة المتبقية دون اجتياز امتحاناتهم، وقد استكمل شعور الرهبة والرعب غزوه الكامل للعقول والقلوب.

منذ شهر تقريبًا، كان من الممكن الحديث عن أسابيع وأيام ليحدث سيناريو إنقاذ عجيب، الطلبة أنفسهم لم يتوقعوا كثيرًا هذا المنحى، وكيف لهم ذلك وهم يتابعون مسارًا تفاوضيًّا عقيمًا وسلبيًّا منذ البداية بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ونقابة «إجابة».

 جلسات العناد التي اتفقت كلها على ألا تتفق

بيانات متتالية حبلى بالأسرار والغموض عن ما يجري حقيقة داخل جلسات التفاوض، جلسات العناد التي اتفقت كلها على أن لا تتفق، ولكن أجمعت على مواصلة احتجاز طالب الجامعة العمومية كرهينة لهذا المسار التفاوضي الفاشل.

احتجاز بنات الوالد المقعد صاحب حادث الشغل، احتجاز  ابن عاملة مصنع النسيج واحتجاز  أبناء تونس الشمال الدارسين بجنوبها أو العكس، كل هذا رهينة لحساباتهم الكمالية الفاخرة.

الخطر

وعن الخطر فهو يكمن في تواصل الاعتداء والمساس كل سنة برزنامة السنة الجامعية التي تضعها مؤسسات التعليم العالي مع قدوم شهر سبتمبر.

وعن الخطر فهو يكمن في تحويل الحوار الجامعي من نقاش مناهج تعليم وتكوين وبنية أساسية إلى نقاش نقابي مزمن ومستفز يزج بطالب (تفتح له البطالة ذراعيها) في مطالب قطاعوية مادية مشطة وغير مسؤولة.

وعن الخطر فهو يكمن في تكرر شبه محقق لوضعية اللاعودة (المبنية للمجهول) هاته بسبب تواصل إهمال سلطة الأشراف لعديد الملفات المطلبية لمتدخلين آخرين في الشأن الجامعي وتركها تتراكم الواحدة تلو الأخرى، هاته القنابل المؤقتة التي قد تفتح لتنفجر في أي لحظة.

ولا نعلم أي سوء سيصيب سمعة التعليم العالي في بلادنا جراء تواصل هاته الحالة المتأزمة على نفسية الطلبة التونسيين والأجانب وعائلاتهم.

هاته الحالة التي ستساهم للأسف في تقليص مكانة الجامعة العمومية في تونس كمصعد اجتماعي وستدفع بالعديد من الناجحين في «الباك» وأوليائهم إلى مفاضلة القطاع الخاص عنها مكرهين.

لقد مثلت نهاية إضراب طلبة المعاهد التحضيرية للهندسة ومدارس تكوين المهندسين في تونس سنة 2015 صدمة حقيقية وقفنا عندها كطلبة على قيمة وقوة الضغط الإعلامي والمالي الذي تم بذله من أجل تحويل الرأي العام في تونس لمزيد «التطبيع مع زحف الخوصصة» والسعي لتعميم تسويقها باعتبارها بديلًا واقعيًّا للجامعة العمومية التي ما زالت أخبار التميز الدولي لعدد هام من خرجيها تملأ البلاد فخرًا.

لا يتحمل الطالب مسؤولية إهمال فوقي متعمد أدى لاهتراء نسبي لمنظومة عمومية يسعى جاهدًا داخلها لإنعاشها من خلال المبادرات والأفكار والتظاهرات والمسابقات العلمية والاقتصادية التنافسية.

كل هذا ترجمة لواقع وسياسة «عبقرية» لدولة تقلص كل سنة من نسبة ميزانيتها المخصصة للتعليم العالي.

وللأسف

وللأسف تلاشى كل شعور لدي بتوافر الحد الأدنى للإحساس بخطورة ما تقتضيه المصلحة الوطنية العامة وبتوافر الحد الأدنى من الكفاءة في إدارة الأزمات لدى حكومة تدعي تبنيها لنهج تطوير الإدارة ومحاربة الفساد.

رسالة أوجهها لكل من له تدخل تنفيذي مباشر لـ«فرض» حل عاجل لهذه المهزلة وفتح تحقيق لمحاسبة كل من يثبت تعمده العبث بمستقبل مئات آلاف الطلبة وعائلاتهم.

وللتاريخ مزبلته التي ستتمتع بنبشها أجيال بعدنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد