ألغاز كثيرة أثارها نور الدين نحناح في لقائه مع هابت حناشي في حصّته نقاط الظل، وبغض النظر عن السياق السياسي الذي توظف فيه الحصة والأسئلة التي يمكن أن تطرح حول توقيتها والتي لا تحتاج لذكاء كبير للإجابة عنها.. فإن هناك مسؤولية تاريخية تلقى على كاهل القيادات التي ورثت حركة الراحل محفوظ النحناح رحمه الله المنشقة على نفسها تستوجب منهم توضيح نقاط الظل المطروحة!

لم يكن هابت حناشي بحاجة إلى احترافية صحافية كبيرة حتى يحظى بكم كبير من التشكيكات والاستفهامات التي أثرها نور الدين نحناح، وهو يجرح في ذاكرة حية لحركة، بل لحركات لا تزال تحاول صناعة الحدث في مشهد سياسي بائس، وعند هذا الحد تستفزنا أسئلة ملحة يفرضها السياق الذي تتطور عبره الساحة السياسية الجزائرية في اتجاه فرض منطق سياسي ضاغط وحاسم لخيارات السلطة السياسية القائمة دون سواها، وهي الأسئلة التي ما كان لهابت حناشي أن يغيبها لولا انسجامه الموضوعي مع هذا السياق، ومن ثم لماذا الحفر في الذاكرة في هذا الوقت بالذات؟ وماذا بعد خراب البصرة وتمدد الحسرة؟ وما هي الفائدة العملية لتصريحات تجاوزتها الأحداث، فقد استوت الحركة على عود التشظي والانقسام ولم يعد بالإمكان أكثر مما كان، أم هو البيع في سوق النخاسة أم قلة احتراف وكياسة؟

ورغم أن نور الدين نحناح كان عفويًا إلى درجة السذاجة في إجاباته وتشكيكاته، ورغم الصورة الذهنية التي أراد أن يطبع بها حواره عبر الشبه الواضح بينه وبين أبيه، ومن خلال ارتدائه كما أكد لآخر بدلة للشيخ نحناح رحمه الله، ومن خلال تماهيه مع لغة الشيخ المرحة وتلميحاته وملحه الفكاهية، إلا أنه يمكن ببساطة أن نستشف من خلال هذا الحوار المستفز أن نور الدين قد أساء من حيث أراد أن يصنع التميز في تمثل شخصية والده رحمه الله، فالشيخ محفوظ نحناح لم يكن مجرد صورة نمطية يسهل تقمص دورها، وإنما كان كتلة جمالية تحسن التعبير عن نفسها ولا تقع أبدًا في مصائد غيرها، لقد كان رحمه الله ينحت الخطابة السياسية نحتًا، إلى الدرجة التي يعجز فيها محاوريه ومستمعيه عن تلمس مدلولاته خطابه ومراميه، ومن هذه الوجهة يمكن القول إن ابن النحناح لم يفلح في التعبير عن شخصية أبيه، بل لعله أساء، فالنار كما يقال تولد الرماد، وهو ما يؤسف له وعليه!

تشكيكات واستفهامات ابن النحناح لا يمكن تجاوزها ببساطة؛ إذ يقع على الجهات ذات الصلة بها تفنيدها أو الرد عليها إن أرادت، لكن المثير للانتباه في حوار ابن الشيخ هي لغة التبييض التي مارسها في اتجاه شخص رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه أويحي وهو يسدي لهم اجل عبارات الثناء والتقدير جراء ما مارسوه من خير في حق أبيه، مقابل التجاهل والإهمال الذي لاقاه من الذين يدعون أنهم أولى منه بأبيه، ابن النحناح بمثل هذا الموقف حول المسألة إلى تصفية حسابات شخصية مع الورثة السياسيين لأبيه، متجاهلًا ما تعرضت له تركة أبيه من طعن وتزوير ونكران للجميل من قبل هؤلاء الذين يتم تبييض صورتهم، ابن النحناح لم يفلح في هذا المقام في تمثل صورة أبيه، وهنا كان ينبغي عليه أن يكون بارًا، فيحفظ إرث وود أبيه!

لقد نكأ ابن النحناح جراحًا لم تندمل بعد لحركات لا تزال تسابق الزمن في رحلة التيه، وهو بذلك لم يخالف مسار أولئك الذين تنكروا لمنهج وفكر أبيه، فنحناح الذي عجزت أسواق السياسة في أن تحتويه، أضحى اليوم ماركة مسجلة والكل يتنازع فيه، وهنا يمكن التفنيد بتوضيح الصورة للجميع، بأن النحناح لا يمكن ان يكون صورة لطموح شخصي أو تحقيق مجد من هذه الوجهة، فقد علا بنفسه الى مستوى المشروع الذي لا حظ للنفس فيه، وعند هذا الحد أيضًا يمكن أن نسأل أين الابن من أبيه؟ بل يمكن أن نسائل حركات التيه كذلك أين مشروع النحناح ماذا جرى فيه؟ ولماذا كل هذا الاختلاف عليه؟ أم هو نفس منطق الابن الذي تنكب المنهج فلم يرع حرمة لأبيه؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد