أعجب الغراب بمشية الحمامة فأحب أن يتعلمها، وأقام على ذلك مدة فلم يستطع أن يتقنها، فأراد أن يرجع إلى مشيته كغراب فلم يستطع، وراح يمشي مشية مهتزة ما بين الغراب والحمامة، فسخرت منه الطيور وأصبح مزحتها.

هذه الحالة من الـ«بيْن بيْن» هي حالة المجتمعات العربية في ترددها خلال الثقافات المغايرة لثقافتها وتراثها القيمي، وهي تتدرج من الصغير الدقيق إلى العظيم المهول، ولعل الغالبية العظمى من هذه الشعوب لا تشعر بوخز الهزيمة ولا مُرّ مذاقها؛ إذ إنها ألِفَتْها جيلًا فجيلًا، وقديمًا قال المتنبي: وما لجرح بميت إيلام.

ومن الصعب العسير الآن أن نسأل متى آخر مرة كنّا فيها «نحن» بكل ما تحمل من خصوصية وقيم وتصورات وأهداف وسعي.

فحالة الـ«بين بين» التي نعيشها هي أسوأ حقبة تمر بها أي أمة عبر تاريخها، ولا ندعي أن الأمة العربية هي الوحيدة التي عاشت حالة التبعية هذه في العصور الأخيرة، فهناك أمم الشرق الآسيوي ولكنها تخلصت منها بأساليب نابعة من شخصيتها وقيمها الذاتية.

وأصعب ما في هذه المرحلة أنها كالحرب المعلقة معدومة الفائدة هزلية المقصد فلا يمكنك أن تنهزم أو تنتصر أو تنسحب، فقط عليك الاستمرار بما يُملي عليك المهزومون المسيطرون في الثقافة أو وسائل الإعلام، وأي محاولة لتصحيح الأوضاع أو العودة من جديد لأرض صالحة يحسن الانطلاق منها لتحقيق الذات تواجه هذه المحاولات بالتشويه أو بالتهم الكبيرة المستوردة أيضًا؛ كالرجعية والتخلف والإرهاب والخيانة.

ذلك لأن بيئة المهزومين نمت على نسيم مدنس من التبعية، فهم كعباد الشمس يدور حول قرصها أينما دار، ويرى أن هذه التبعية ضرورة من ضرورات وجوده، بل أغلب المذاهب المستجدة في كافة مناحي الحياة والتي تأسست عليها الكثير من متشابكات حياتنا هي مستوردة وعليها أوْد حياة الكثيرين، ولا يشعر المرء إزاءها أنه نسخة مزيفة من صانعيها أو ممن صنعت من أجله هناك!

يوضّح ابن خلدون في مقدمته السبب في أن المغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده: أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه.

وهذا التحليل يصح كنظرية اجتماعية صادقة مبنية على شواهد وتجارب، فصحتها اليوم على المشرق العربي أكثر من أي وقت مضى، فالثقافة الغربية المتغلغلة هنا شملت الثرى والثريا، من الأشخاص وهيئتهم إلى نظم معيشتهم وحكمهم.

إن الهزيمة راسخة في كل نفس، وأصبح من الصعب أن تُرى لأنها خالطتها وصارت جزءًا منها حتى أضحت كالأحفور المترسب بصخرة فلا يُنزع منها إلا بتمزُّقه، وهذه هي مشكلة «الذاتية» التي يجب أن يواجهها المثقفون وعلماء النفس والاجتماع، فالهزيمة شملت الجميع عبر توالي الأجيال دون مراجعة، صغيرهم وكبيرهم وليس مقصورًا على العوام المقلّدين.

فمن أول لغة هواتفنا المُعَدة على اللغة الإنجليزية إلى نظمنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فهل ترى أمريكيًا أو إنجليزيًا يضبط هاتفه على اللغة العربية، أو يُخَلِّل كلامه بكلمة عربية أثناء حديثه بلغته الأم.

وهي موجودة في بضائعنا المصنوعة بمصر أو المغرب أو المملكة، ولو طُبع عليها غير صنع في أمريكا أو ألمانيا وغيره ما أقبل عليها أحد.

ثم انزل الشارع واسأل اللافتات على البنوك والشركات وفي الطرقات، لمَ توضع اللغات الأجنبية المختلفة في بلاد عربية تخاطب الإنسان العربي. بالطبع لأن المغلوب يعتبر أن هذه اللغة هي لغة الحضارة والثقافة. وهي موجودة وبكثرة في مثقفينا الذين يلتمسون كل «جميل» في كل ما هو غربي وإن كان معدومًا لا وجود له، ويلتمسون كل «قبيح» في ثقافتنا للتدليل على هزيمتهم مهما دقّ وصغر!

ومن قبل صرّح طه حسين في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» تحت عنوان: في وجوب الصراحة في الأخذ بأسباب الحضارة الأوروبية «لكن السبيل إلى ذلك ليست في الكلام يُرسل إرسالًا، ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بيّنة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة ليس لها تعدد، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب».

ومثله محمد عبد الوهاب الذي صرّح: «أريد أن نتعلم الموسيقى حسب أصولها الغربية» الأمر الذي علّق عليه الأستاذ محمد العيّاشي في كتابه «الإيقاع الشعري في غناء أم كلثوم»: «لا فرق بين أن يقول مقالته تلك وبين أن يقول: «أريد أن نتعلم اللغة العربية حسب أصولها اللاتينية» فيقول ذلك بكل بساطة وهو لا يعلم أن بين يديه من وسائل التعبير الموسيقي ما ليس بيد الغربيين وأنه قد أتى من آيات الإبداع الفني في أغانيه القديمة ما لم يأت به كبار الموسيقيين في بلاد الغرب لولا أنهم يتكلمون لغة الغالب وأنه يتكلم لغة المغلوب».

وإذا كان كبار الأدباء والمثقفين والمفكرين لم يسلموا من هذا التيه فكيف بالعامي الذي يستقي ثقافته من التليفزيونات العربية القائمة على تعاليم الغالب ومذاهبه، فما ثَمّ برنامج ذو نكهة عربية خالصة يعبّر عن العربي سواء في جده أو هزله، حتى البرامج تُنقل بما هي عليه هناك: بأسمائها الأجنبية ومنهجيتها وديكوراتها، ولأول نظرة ترى الغراب بمشيته الهزلية يتأرجح على منصة لجنة التحكيم!

في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي إبان حكم ستالين، عانت روسيا من الهزيمة النفسية ذاتها أمام التطور الغربي والذي دفع إليها كبت ديكتاتورية ستالين طوال فترة حكمه، فأقبل الشباب بكل طاقته مقلدًا الحياة الأمريكية في هيئته ومشربه ومأكله وموسيقاه، حتى انتبهت الصحافة الروسية لذلك، فنشرت مجلة الشباب الشيوعي بحثًا عن انحراف الشباب في نيويورك ووجه الشبه بينه وبين الشباب الروسي كان بعنوان «الجيل المضطرب» كما ذكر إيزاك دويتشر في بعض محاضراته.

وقديمًا ذكر ابن خلدون: انظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زيُّ الحامية وجُندُ السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت…».

فالحرب على الحقيقة حرب هويات وحضارات وثقافات، هكذا أعلنها صمويل هنتنجتون في كتابه المعنون – والكافي عن أي بيان – «صدام الحضارات إعادة صنع النظام العالمي».

وأوضح حقيقة هذه المعركة قائلًا: «في عالم ما بعد الحرب الباردة لم تعد الفروق المائزة بين الشعوب أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وإنما هي فروق ثقافية، وبناء على ذلك تحاول الشعوب والأمم أن تجيب عن السؤال المهم: من نحن؟».

وهذا كلام صحيح، فليس بوسعنا أن نكون شيئًا إلا بمعرفتنا من نحن أولًا، أما هنتنجتون ولأنه ينتمي للإمبريالية الغربية فله إجابة بها بعض العدائية كعادة أمريكا فيقول: نحن لا نعرف من نكون إلا عندما نعرف من ليس نحن، وذلك يتم غالبًا عندما نعرف «نحن ضد من».

فمن نحن؟ والإجابة هي البداية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

مقدمة ابن خلدون - مستقبل الثقافة في مصر - الإيقاع الشعري في غناء أم كلثوم - الصراع الكبير بين روسيا والغرب - صدام الحضارات
عرض التعليقات
تحميل المزيد