ﻣﻨﺬ ﻓﺘﺮﺓ ﺗﺪﻧﺪﻥ ﻓﻲ ﺭﺃﺳﻲ ﺭﻏﺒﺔ ﺟﺎﻣﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺠﻤﻴﻞ، ﻟﻜﻨﻲ ﺳﻬﻴﺖ ﻓﺘﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻣﺄﺳﻮﺭﺍ ﻟﻘﻀﺎﻳﺎ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻻﺕ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ، ﺭﺑﻤﺎ ﻟﺴﺨﻮﻧﺔ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺎﺣﺐ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎﺗﻬﺎ، ﻟﻜﻦ ﻭﺑﺪﻋﻮﺓ ﻣﻦ ﺃﺧﺖ ﻋﺰﻳﺰﺓ ﻭﺻﺪﻳﻘﺔ ﻣﻤﻴﺰﺓ ﺍﺳﺘﺤﻀﺮﺕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ، ﻭﻫﻲ ﺩﻋﻮﺓ اﺳﺘﻜﺘﺎﺏ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺖ إﺳﺮﺍﺀ ﺍﻟﺰﻫﻴﺮﻱ، ﻭﻫﻲ ﻣﻦ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﺃﺭﺽ ﺍﻟﺮﺑﺎﻁ ﻭﺍﻟﺠﻬﺎﺩ، ﻓﺘﻠﺒﻴﺔ ﻟﺮﻏﺒﺘﻲ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻭﺍﺳﺘﺠﺎﺑﺔ ﻟﻸﺳﺘﺎﺫﺓ ﺇﺳﺮﺍﺀ ﺃﺷﺮﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺪﻭﻳﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮﺍﻥ ﺃﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ.

ﻃﺎﻝ ﺳﺮﺩ ﺍﻟﺴﺎﺭﺩﻳﻦ ﻟﻠﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﻃﺒﺎﺋﻊ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ، ﻭﻃﺒﺎﺋﻊ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﻯ أﻭ ﺍﻟﺒﺪﻭ أﻡ ﻣﺎ ﺷﺎﺑﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﺎﺀ ﻭﻣﺎ ﺻﺤﺒﻬﺎ ﻣﻦ أﻟﻘﺎﺏ.

ﻭﻗﺒﻞ ﺍﻟﺸﺮﻭﻉ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥ: أﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻻﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻨﻮﻳﻪ ﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻭﺍﻟﻘﺮﻯ، ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻭﺍﻷﻃﺮﺍﻑ، ﻓﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ ﻟﻬﺎ ﺩﻻﻻﺕ ﻋﻤﻴﻘﺔ ﻓﻲ ﺗﺸﻜﻴﻞ ﻃﺒﺎﺋﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻭﺗﺼﺮﻓﺎﺗﻬﻢ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﺑﻞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، ﻭﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﺸﻜﻠﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﻣﻦ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻙ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ﺳﻮﺍﺀ ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎ ﺣﻀﺮﻳﺎ ﺃﻭ ﺑﺪﻭﻳﺎ، ﻭﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ﻛﻼﻡ ﻃﺮﻳﻒ ﻋﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ ﻭﺁﺛﺮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ﻓﻘﺪ ﺳﺮﺩ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ﻛﻼﻣﺎ ﺭﺍﺋﻌﺎ ﻋﻦ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﺍﻟﻤﻌﻴﺸﺔ ﺍﻟﺤﻀﺮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﻠﻮﻙ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻭﺧﺼﺎﻟﻬﻢ، ﻭﻟﻴﺲ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻟﺴﺮﺩ ﻃﻮﻳﻞ ﻟﻤﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ، ﻟﻜﻨﻲ أﻛﺘﻔﻲ ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻟﻤﻘﻮﻻﺕ ﻓﻲ ﺳﻴﺎﻕ ﺣﺪﻳﺜﻲ ﻋﻦ ﺃﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻛﻤﺎ أﻧﺒﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻛﻼﻡ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﻘﺎﺭﻧﺎﺕ أﻏﻠﺒﻪ ﻳﺼﺐ ﻓﻲ ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﺪﻭ ﻣﺘﻤﻴﺰﻭﻥ ﻋﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ ﻓﻲ ﻋﺪﺓ ﻗﻀﺎﻳﺎ أﺑﺮﺯﻫﺎ ‏(ﺍﻟﺴﻌﻲ ﻟﻠﺨﻴﺮ، ﻭﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ، ﻭﺍﻟﻘﺪﻡ ﺍﻟﻀﺎﺭﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ‏)، ﻟﻜﻨﻲ ﻫﻨﺎ أﺗﻌﺮﺽ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﻮﺍﻧﻲ ﻫﺬﺍ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﻌﺪﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﺍﻷﺻﻴﻞ ﻓﻲ ﻗﻴﻤﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﺑﺎﻟﻘﺪﺭ ﺍﻟﻤﺘﻮﻓﺮ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﻳﺎﻑ ﻭﺍﻟﺒﺪﻭ ﻟﻌﻮﺍﻣﻞ ﻋﺪﻳﺪﺓ، ﺃﻫﻤﻬﺎ: ﺃﻥ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺤﻀﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠﻘﺔ ﺑﺎﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﻭﺍﻟﻨﻈﻢ ﻭﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺎﺕ تسلب ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻣﻦ ﻗﻴﻤﻬﻢ، ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﺍﺭ ﺍﻟﻔﺮﺩﻱ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﺗﻼﺷﻲ ﻗﻴﻢ ﺍﻹﻗﺪﺍﻡ ﻭﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﺮﺿﻮﺥ ﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺠﻲ ﻟﻠﺮﺍﺣﺔ ﻭﺍﻟﺨﻤﻮﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻤﻠﻴﻪ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻭﺍﻟﺨﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻳﻤﻠﻜﻪ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻣﻦ ﺃﺷﻴﺎﺀ، ﻭﺫﻟﻚ ﺑﻌﻜﺲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺒﺪﻭﻳﺔ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﺮﺍﺭﺍﺕ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ واختياراتهم ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ، دون ﺃﻱ ﺳﻴﻄﺮﺓ ﻣﺆﺳﺴﺎﺗﻴﺔ ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻷﻓﺮﺍﺩ ﻣﺘﻌﻠﻘﻴﻦ ﺑﻤﺼﺎﻟﺤﻬﻢ ﺍﻟﻤﺮﺗﺒﻄﺔ ﺑﺘﻠﻚ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ، ﻭﻋﻠﻴﻪ ﻓﺄﻫﻞ ﺍﻟﺒﺎﺩﻳﺔ ﺗﻨﺒﻊ ﻗﻴﻤﻬﻢ ﻣﻦ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ ﻭﻻ ﻳﺨﺎﻟﻄﻬﺎ أﻱ ﺇﻣﻼﺀ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺟﻬﺔ ﺧﺎﺭﺟﻴﺔ ﺗﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﺃﻭ ﺗﻮﺟﻪ ﺳﻠﻮﻛﻪ، ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻓﻘﻴﻢ ﺍﻟﺒﺎﺩﻳﺔ ﺃﺻﻴﻠﺔ ﻭﻗﻴﻢ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻳﺸﻮﺑﻬﺎ ﻭﻳﺨﺎﻟﻄﻬﺎ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﺇﻣﺎ ﺍلاﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ.

ﻭﻫﻨﺎ ﻧﺬﻛﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻣﻘﻮﻟﺔ لاﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ أﻭﺭﺩ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﻼﻣﺎ ﺩﻗﻴﻘﺎ ﻋﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﺎﺣﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﻣﻘﺪﻣﺘﻪ ﺍﻟﻤﺬﻫﻠﺔ: ‏(ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﺳﺠﻴﺘﻬﺎ ﺗﻜﻮﻥ ﺳﺮﻳﻌﺔ ﺍﻟﺘﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﺃﻭ ﺍﻟﺸﺮ ، ﻭﺍﺳﺘﺪﻝ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ﺑﺤﺪﻳﺚ: ﻛﻞ ﻣﻮﻟﻮﺩ ﻳﻮﻟﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﻄﺮﺓ. ﻭﺇﺫﺍ ﺗﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺸﺮ ﺃﻭ ﺑﺎﻟﺨﻴﺮ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻠﺘﺰﻡ ﺑﺄﺣﺪﻫﻤﺎ ﻭﻳﺒﺘﻌﺪ ﻋﻦ ﺍﻵﺧﺮ . ﺃﻣﺎ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ ﻓﻘﺪ ﺗﻠﻮﻧﺖ ﻧﻔﻮﺳﻬﻢ ﺑﺎﻟﻤﻠﺬﺍﺕ ﻭﺍﻟﺘﺮﻑ ﻓﺎﻧﻬﻤﻜﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻑ ﻭﺗﻈﺎﻫﺮﻭﺍ ﺑﺎﻟﻔﻮﺍﺣﺶ. ﻭﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﺪﺍﻭﺓ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﺍﻟﺸﻬﻮﺍﺕ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ، ﻟﺬﺍ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺃﻗﻞ ﻭﻗﻮﻋﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ، ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ ﺃﺳﻬﻞ ﻓﻲ ﻋﻼﺟﻬﻢ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ. ﻭﻷﻥ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻫﻲ ﻧﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﻤﺮﺍﻥ ﻭﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺸﺮ ﻓﺎﻟﺒﺪﻭ ﺃﻗﺮﺏ ﻟﻠﺨﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ). ﻫﻜﺬﺍ ﺗﺤﺪﺙ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﺕ ﻫﻨﺎ ﺃﺗﻌﺮﺽ ﻟﺴﺠﺎﻳﺎ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺍﻟﻨﺎﺑﺘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻭﺍﻟﻤﺪﻥ، ﻭﻛﻴﻒ ﺗﻨﺒﺖ ﻭﺣﺎﻝ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻭﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻣﻨﺤﻂ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮ اﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ؟ ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻧﺠﻴﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﻫﻨﺎ.

ﺇﻥ ﺣﺎﻻﺕ ﺍﻟﻤﺮﻭﺀﺓ ﻭﺍﻟﻨﺨﻮﺓ، أﻭ ﻣﺎ أﺳﻤﻴﻪ ﺃﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻫﻲ ﺣﺎﻻﺕ ﻻ ﺗﺘﺴﻢ ﺑﺎﻟﺘﻮﻓﺮ ﻛﻤﺎ ﺫﻛﺮﻧﺎ ﺁﻧﻔًﺎ، ﻟﻜﻨﻬﺎ ﺃﻳﻀًﺎ ﻻ ﺗﻨﻌﺪﻡ، ﻟﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﺮﻭﺍﺳﺐ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺑﻮﺍﻃﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﻭﺃﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ، ﻧﻌﻢ ﺗﻜﺎﺩ ﺗﺘﻼﺷﻰ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻟﺴﻴﻄﺮﺓ ﺍﻟﻨﻈﻢ ﻭﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺎﺵ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻣﻤﺎ ﻳﺴﻠﺐ ﻗﻴﻤﻬﻢ ﻭﺇﺭﺍﺩﺗﻬﻢ، ﻟﻜﻦ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻣﻮﺟﻮﺩﺓ، بالرﻏﻢ من ﻧﺪﺭﺗﻬﺎ ﻛﺎﻣﻨﺔ ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺍﻟﻤﻀﻨﻮﻙ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻒ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ. ﺇﻥ أوﻟﺌﻚ ﺍﻷﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻨﻔﺮﻭﻥ ﺑﺎﻟﺠﻤﻌﻴﺎﺕ ﺍﻟﺨﻴﺮﻳﺔ ﻭﻧﺸﻄﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮﻳﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺒﺘﻮﻥ ﻭﺳﻂ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﻫﻢ ﺃﻧﻮﺍﺭ ﻭﺑﻘﺎﻳﺎ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺒﺘﺖ ﻭﺳﻂ ﺭﻛﺎﻡ ﻣﺎ ﺧﺮﺑﺘﻪ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻣﻦ ﻗﻴﻢ ﻭﻣﺎ ﺩﺍﺳﺘﻪ ﺑﺮﺍﺛﻦ ﺍﻟﻌﻤﺮﺍﻥ ﻣﻦ ﺧﻠﻖ ﺭﻓﻴﻊ.

ﺇﻥ ﺃﻓﺬﺍﺫﺍ ﺃﺻﻼﺀ، ﺟﻌﻠﻬﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ بالرﻏﻢ من ﻗﺴﻭﺗﻬﺎ ﻭﺿﻨﻜﻬﺎ، ﻳﺒﺜﻮﻥ ﻧﺒﻀﺎﺗﻬﻢ ﺍﻟﺸﺠﺎﻋﺔ ﻭأﺭﻭﺍﺣﻬﻢ ﺍﻟﻨﺒﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺩﺭﻭﺏ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﻄﻬﺮ ﻭﻣﺴﺎﻟﻚ ﺍﻟﻨﺒﻞ. ﻭﺇﻥ ﻗﻴﻮﺩ ﺍﻟﻤﺪﻥ ﺍﻟﺸﺎﺋﻜﺔ ﻭﺯﻧﺎﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﺍﻟﻤﻀﻨﻴﺔ بالرﻏﻢ مﻣﺎ ﻛﺪﺳﺘﻪ ﻓﻲ ﺭﺻﻴﺪﻫﺎ ﻣﻦ ﺗﺬﻭﻳﺐ ﺍﻟﻘﻴﻢ ﻭﺇﻣﺎﻫﺔ ﺍﻷﺧﻼﻕ، ﺇﻻ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﻔﻮﺱ ﻇﻠﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﺃﺑﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻜﺴﺮ ﻭﺍﻷﺳﺮ، ﺣﻴﺚ ﻟﻢ ﺗﻜﺴﺮ ﺃﺧﻼﻗﻬﺎ ﻭﻟﻢ ﺗﺴﻤﺢ ﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ ﺑﺘﺬﻭﻳﺐ ﻗﻴﻤﻬﺎ، ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻜﻤﻮﻥ ﺍﻟﺮﻭﺡ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻄﻠﻌﺔ ﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﺍﻟﺸﺎﻣﺨﺔ ﺍﻷﺑﻴﺔ، ﻭﺃﻭﻟﺌﻚ ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻣﻦ ﺃﺳﻤﻴﻨﺎﻫﻢ ﺃﻓﺬﺍﺫ ﺍﻟﻌﻮﺍﺻﻢ.

إن المدن بطبيعتها تسلب شيئا فشيئا من الفرد خصائصة القيمية التي تكمن في بواطن الفطرة، وانتقال مجتمع ما من حالة البدوية إلى الحالة الحضرية هو في ذاته انتقال من جو قيمي فريد إلى جو أقل قيمية وأقل إنسانية وأقل بعدا عن الفطرة البشرية الصافية النقية، ولكن بالرغم من تلك الحقائق المشهودة والتي كذلك تحدث عنها ابن خلدون بصورة عميقة، بالرغم من ذلك فإن في المدن والعواصم لمعان فطري من هنا ومن هناك، لمعان يبث بين أشعته قيم الفطرة والشجاعة والبذل للآخرين.

إن هناك محورا جوهريا هو في ذاته الذي دفعنا للكتابة عن أفذاذ العواصم، وهذا المحور يتمثل في أن طبيعة الأخلاق ومنظومة القيم المتكونة في البوادي والقرى فيها اعتماد كبير على القبيلة (والعصبية) بتعبير ابن خلدون، بعكس المدن التي تتلاشى فيها القبيلة وتحل محلها المؤسسات المعتمدة على النظم والتنظيم المفرط الذي تتلاشى داخله المشاعر البشرية الفطرية ببساطتها وتذوب فيها قيم السمو الإنساني، وتكمن أهمية أفذاذ العواصم، في أن تلك المدن بكل ضجيجها المؤسساتي لم تستطع أن تسلب خصائصهم الفطرية بالرغم مما تحويه العواصم من قساوة وبؤس وطرد لمنابت الفطرة السوية، إنهم أفذاذ أقوياء تغلبوا على ذلك الركام الذي يدفن تدريجيا سلوك الفطرة ويغطي معالمها الشريفة، تغلبوا عليه بسمو فطرتهم ومستواها العالي من الروح والشموخ.

أختم هنا بهذه الكلمات لابن خلدون: ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻀﺮ ﻳﻤﻨﻊ اﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺃﻭ اﻋﺘﺪﺍﺀ ﺍﻟﻐﻴﺮ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﺷﻴﺦ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻳﻔﻌﻞ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﺸيء ﻣﻌﺘﻤﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﻋﺼﺒﻴﺘﻪ ﺍﻟﻘﺒﻠﻴﺔ.

ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﻣﺠﺒﻮﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮ ﻣﻌًﺎ، ﻭﺍﻟﺸﺮ ﺃﻗﺮﺏ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﺘﻤﺴﻚ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺪﻳﻦ، ﻭﺍﻷﻛﺜﺮﻳﺔ ﺗﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺮ ﻭﺍﻟﻌﺪﻭﺍﻥ . ﺇﻻ ﺃﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻀﺮ ﻳﻤﻨﻌﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﻈﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺳﻄﻮﺓ ﺍﻟﺤﻜﻢ، ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﺟﺎﺀ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻣﻦ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻧﻔﺴﻪ. ﻭﺃﻣﺎ ﺍﻟﺒﺪﻭ، ﻓﺈﻥ ﺷﻴﻮﺧﻬﻢ ﻳﻤﻨﻌﻮﻥ ﻋﺪﻭﺍﻥ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﻀﺮ ﻳﻘﻮﻡ ﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﺑﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻲ، ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺒﺪﻭ ﻳﻌﺘﻤﺪﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ﻓﻲ ﺻﺪ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ.

ﺍﻟﻌﺼﺒﻴﺔ ﺃﺳﺎﺱ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻭﺗﻤﺎﺳﻜﻬﺎ، ﻟﺬﺍ ﻻ ﻳﺴﻜﻦ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﺇﻻ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ.

ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﻌﺼﺒﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﺮﺍﺑﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻷﻧﻬﻢ ﺃﻫﻞ ﻧﺴﺐ ﻭﺍﺣﺪ ﻓﻴﺘﺮﺍﺣﻤﻮﻥ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﻬﻢ ﻭﻳﺘﻨﺎﺻﺮﻭﻥ ﻋﻠﻰ ﻋﺪﻭﻫﻢ، ﻭﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺫﻟﻚ ﻟﺪﻯ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻷﻧﺴﺎﺏ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻻ ﻳﺴﻜﻦ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﺇﻻ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻨﺴﺐ ﺍﻟﻮﺍﺣﺪ ﻷﻧﻬﻢ ﺃﺳﺮﻉ ﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺑﻌﻀﻬﻢ.

ﻭﺍﻟﻌﺼﺒﻴﺔ ﺃﺳﺎﺱ ﻓﻲ ﺳﻜﻨﻰ ﺍﻟﻘﺒﻴﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺤﺮﺍﺀ ﻭﻓﻲ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد