معنى كلمة الصعيد في معجم المعاني الجامع : هو كل ما ارتفع عن الأرض، وفي القرآن الكريم وردت كلمة الصعيد في قوله تعالي ” فتيمموا صعيدا طيبا ” بمعني اقصدوا ترابا طاهرا.

أما الصعيد في جمهوريه مصر هو كل ما تدنت خدماته وانفصل وانعزل أهله عن العالم: به كل أشكال الفقر وغياب الوعي والإهمال.

أن تولد صعيديًا فهي مأساة، قد تزداد من البؤس أضعافًا، إن كنتِ فتاة، وخاصة إن كنتِ ـ لا قدر الله ـ صاحبة طموح. إن كنتِ فتاةً من الصعيد فلديك قائمة لا بأس بها من الممنوعات والمحاذير التي يحرم عليكِ الاقتراب منها كما تحرم عليك حقول الألغام.

وان أصابكِ مرض الجرأة واقتربتِ فسينفجر في وجهك اللغم تلو الآخر حتى تُشوه روحك بالتدريج لتصبحي مسخًا ليس لديه القدرة أن يقاوم أو حتى يستنكر ولو بالقلب، دائرة عجيبة من صنع المجتمع عليكِ بالدوران فيها من نقطة بدايتها، ثم الرجوع إليها مره أخرى، دائرة تدورين فيها وأنتِ تعرفين النتيجة والنهاية مسبقًا عن ظهر قلب.

بنفسِ رضية تربى الأم في الصعيد ابنتها على أنها أقل من أخيها الولد، لتصبح جملة: “انتِ فاكرة نفسك ولد”، من المستساغ الذي اعتادت الأذن على سماعه، كنوع من أنواع تجريم أن تتجرئي وتعتبري نفسك في مستوى صاحب المقام الرفيع وسند الأسرة بسبب وبدون سبب: “الولد”.

لن يشفع لكِ وقتها ذكاؤك أو ثقافتك أو تفوقك الدراسي أو تميزك في أي مجال أيًا كان.

بعد التخرج من الجامعة تختلف الحياة كثيرًا: تنتظرك العادات والتقاليد والقطار الذي يحمل أحلامك ويسافر، ليتركك على المحطة تنظرين إلى عمرك وهو يفرم تحت عجلاته عامًا تلو الآخر، وأنتِ واقفة مكبلة الأيدي لا تملكين من أمرك شيئًا.
الحرب هُنا في كل الاتجاهات، في حقك في الزواج أو اختيار الزوج من الأصل، حقك في العمل، في الطموح، في الاختلاف وفي التنفس في بعض الأحيان. درجات متفاوتة من الكبت المجتمعي تختلف من أسرة لغيرها، إن كنتِ سعيدة الحظ ستكونين من إحدى الأسر التي تنتظر زواجك فقط ولا تجبرك عليه. كسائر الأسر المصرية الأصيلة تتم تربية الفتاة على انتظار بيت العدل لتخرج من كبت الأسرة إلى هيمنة وامتلاك الزوج.

 
تحكي أمي ضاحكة أنها في خطبتها عندما رأت أبي للمرة الأولى، لم تستطع التعرف عليه من بين الجالسين؛ وذلك لأنهم لما يأخذوا رأيها من الأساس، فلان تقدم لكِ ونحن موافقون وانتهى الأمر.

 

 
أما بعد ثلاثين عامًا تخبرني صديقتي، إحدى خريجات كلية من كليات القمة، عن ضرب أهلها لها وإجبارها على الخطبة من ابن عمها واصفين رفضها له بالعار! جبل من العادات البالية التي مضى عليها مئات الأعوام وما تزداد إلا تقوية لجذورها، ولا تهز جبلها ثورة ولا رياح.

 

 
تقفين في نهاية كل تفكير عاصف بما يحيط بك متسائلة: أتلقين بنفسك وسط الألغام خاسرة ما تبقى من براءة روحك، لربما تكونين من سعداء الحظ الذين لا تصيبهم اللعنة، أم أن النفخ في بالون مثقوب يوقف كل سبل الحياة؟

 

 
أصبحت سيمانا على وجوهنا؛ تلك الأعين القاسية والقلوب الموحشة والأرواح المشوهة، تلك النظرات التائهة والمنكسرة بعد كل خيبة جديدة وكل حلم جديد يتم الشطب عليه، تلك الحالة من الركود والصمت المطبق، بعد كل محاولة لفك عقدة ما، يزداد الخيط تعقيدًا.

 

 
ربما تكونين ممن يحدثن أنفسهن بصوت منخفض عند السير ظهرًا بالشوارع المزدحمة متجاهلات كل شيء وأي شيء، ناظرات للمجتمع نظرة واهية كأنهن من عالم آخر. أو ممن يصنعن لأنفسهن عالمهن الخاص من صنع خيالهن، وأشخاص لا وجود لهم، يعطين لحياتهن أبعادًا أخرى كثيرة يعشن بين طياتها، ومع كل صدمة جديدة بالواقع يتشعب عالمهن الخاص أكثر لينفصل انفصالًا أكبر عن الواقع.

 

 

 
محفوظة هي النهايات، كانت أقصى مخاوفي هي الكفر بالأمل. عرفت أن ليس بعد الكفر ذنب، لكنني كنت قد اقترفت الذنب بالفعل. لهذا ربما راودتني فكره الانتحار أكثر من مرة.

في عالم آخر بعيد عن أصنامهم وعاداتهم وتقاليدهم، ربما لن تعيشي بنصف عقل وقلب يعانيان سكرات الموت ووجع الاحتضار، ولن تمضي حياتك بفتات أحلام من الماضي يمر فيها كل عام بلا رجاء في الغد، ولن تسقطي كل يوم حجرًا ثقيلًا جديدًا في أعماق روحك.

 

 

 
أعرف قلة ممن قررن خوض تلك الحرب بلا هوادة أو خوف من الخسارة، والوقوف في وجه الرياح العاتية تلك بجسارة. هناك التي أصرت على استكمال طموحها وتحقيق ولو جزء من حلمها وواصلت عملها ورفضت الزواج بأي عابر سبيل يراه الأهل المنقذ من كهف العنوسة وشماتة الأقارب. أصرت على النجاح واستطاعت خوض الحرب بمفردها على الرغم من تكدير صفو كل نجاح وتقبلهم له على مضض، أو تلك التي أصرت على اختيار شريك حياتها ووقفت في وجه كل شيء واستقبلت كل ذم وإهانة كأنها اقترفت عيبا لا يغفر أو عارا لا ينسى وتحملت وصمة تلاحقها طوال العمر.

نعم ثمة من دافعن عن حقهن في الحياة، وعن أبسط اختياراتهن، وعن الحق في التنفس والعيش كبقية البشر، عبرن الألغام وتصدين للصعاب واحدا تلو الآخر، لكنني لا أعرف أيًا منهن ظلت بعد كل تلك الحروب سليمة القلب والروح دون أن تصاب بلعنة فقدان الشغف أو الرغبة في الحياة من الأصل، أو تصبح ذات نظرة قاسية متحجرة وقلب مجرد من المشاعر، سواء كانت حبًا أو كرهًا أو حتى خوفًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد