هذه كلمات لكاتب منعزل. ثوري منعزل يعاصر كل هزائم وأوجاع وجرائم هزيمة الثورة بشكل يومي في حياته، وكاتب لأنه فقط يكتب ما يراه وحتى نقده والذي يهدف للخلاص من المفضوحين، خاصة وأن الثورة العالمية ما زالت تجري ضدهم، حتى نقده هو فضح ليس بجديد بأي حال ليس على مستوى المواطن المصري البسيط أو حتى في كل العالم.

مثلًا، منذ أيام غير قليلة، قضيت الليلة عند أحد أصدقائي الهاربين من حكم بالسجن المشدد لسبع سنوات، خرجت من منزله في الصباح لأشرب القهوة، وبمجرد خروجي رأيت «أحمد» الهارب من حكم بالسجن المؤبد، كنت مسجونًا معه عندما خرج بكفالة 1000 دولار، وبعد أشهر معدودة حكمت عليه المحكمة غيابيًا بالسجن المؤبد، باقي زملائه الذين لم يخرجوا من السجن، حكمت عليهم المحكمة حضوريًا بالسجن 10 سنوات وآخرين 15 عاما حضوريًا. أي أنهم بدؤوا في الحال بتنفيذ الحكم، كان انتقالهم من غرفنا كمحبوسين احتياطيًا إلى غرف المحكومين يومًا جنائزيًا بحق، خاصة لأنها مسخرة لم يتوقعها أحد كونهم يحاكمون لفعل لم يقع، بحيث كانت تهمتهم الرئيسية (نيتهم تفجير محكمة الإسكندرية) على أي حال وبعد السلامات وطبعًا عدم تبادل أرقام الهاتف.

 استكملت مسيرتي فتلقيت مكالمة من صديقي الذي خرج من السجن في نفس يوم خروجي، هو متهم بالانتماء لخلية إرهابية «فجر» (ليست من الإخوان ولا داعش ولا حتى القاعدة!) هاتفني ليخبرني أن المحكمة قد حكمت عليه غيابيًا بالسجن المؤبد مدى الحياة! بعد تبادل الأماني بأن شرًا لن يقع، استكملت مسيرتي لأفكر، هل حياة طبيعية أن أبيت الليل عند هارب من السجن وأقابل في الصباح شخصين من بسطاء المصريين يلاحقهم السجن المؤبد مدى الحياة؟

ليس حظي بأي حال، بل هو منحى شامل يمر به المجتمع، وسأثبت ذلك في هذه الورقة. يجب أن نفهم أن حيواتنا – مضطرين – تحت حكم الديكتاتورية العسكرية المصرية، تتمحور دائمًا حول الثورة وانتصارها للخلاص من مصيرنا هذا.

يا للشرف، يا للشرف عندما يكون قلمي هو ملجئي الوحيد لمواجهة مجتمع الديكتاتورية وعهرها الذي نبصره، لكن فليكن التراث للأجيال القادمة هو أهم مكاسب الربيع العربي إن لم نستطع الانتصار له، رغم أن الهدف المفيد والوحيد للنقد هو الخلاص.

عقل مشبع بإرهاصات وصور السجن، ورغم أنها أصبحت من الماضي، إلا أن الهواء من حولي تملؤه المأساة، على الأقل لأجل من لا يزالون هناك، هذا ما يحسه السجين المحرر في مجتمع لا يمكن وصفه بالإنساني بأي حال، كونه على الأقل تحت حكم ثورة مضادة ترسخ كراهية الإنسان للإنسان وتُخفي كل معالم التضامن بين الأفراد. السجين السابق يقارن بين كل فعل يقع في حياته اليومية وبين سجنه وتجربته، ولأنه لا فرار من هذه المتلازمة، التزم واعيًا بطريق التذكير الدائم بمن لا يزالون يرتعون في سجون الديكتاتورية، والحق أني أجد بذلك جزءًا من آدميتي كوني لا أفقدهم ولا يفقدوني فلا أظنني ساذجًا، أو متناسيًا، أو جبانًا بأي مقياس. أما ما سيُحقق آدميتي كاملة فهو تحريرهم ودون شك. وهذه إشكالية أخرى.

لو لم تتضمن برامج الأحزاب السياسية خططًا وتكتيكات مبدئية لإخراج شبابنا السجناء، فإنها لن تستحق بأي حال الاسم السياسي ولن تجني من شعبنا سوى القرف. هذه حقيقة موضوعية وليست راهنة.

أما من فقدوا الأمل في الخلاص ويصيغون عشرات البراهين لإثبات ذلك مبتدئين من بطولة انتقاد النظام لكن بدعم أزليته ليمكن تلخيصهم في مقولة رددها دنقل في شعره (خلف كل قيصر يموت قيصر جديد)، فردنا الأنسب هو التمسك بالحق والأمل والثقة في قدرة الإنسان على صناعة مستقبله وخاصة الخلاص من مجتمع الرأسمالية وعمومًا من الملكية الخاصة (كونها من ركائز مجتمعات العبودية السالفة)، هذه حقيقة موضوعية أخرى ترتكز على قدرة الإنسان على صناعة مستقبله من بين بقية الكائنات. من هذه البساطة يمكن ضحد كل الأفكار عن ديمومة الكلبية (عنفها وتناحرها وأفكارها عن كراهية الناس).

والديكتاتورية العسكرية التي تحكم وطننا المنضبط تحت النظام الرأسمالي بقبضة من حديد، تجعل كل من لن ينضبط يواجه بالموت أو السجن، فليسألوا التاريخ كيف أن النيل يلقف كل شيء، فرعون والكهان وحتى الآلهة، فليسألوا العرب الرعاة، وليسألوا الروم والفرس الغزاة، وليسألوا الترك الطغاة، ولماذا نذهب لبعيد؟ النيل كالتمساح رسمًا في الخريطة وما تلك من صدف الطبيعة. (*)

أخيرًا، وأمام هجمات الديكتاتورية العسكرية وعجز شعبنا وهزائمنا المتتالية المتمثلة بمئات الصور أهمها الضحايا، السجناء والمشردين والمرضى والثكالى…إلخ، أمام جبروته فإن معركتنا أن نصلب القامة، فكم من يائس ولى ودون النصر خطوة.

برامجنا لا تتنازل ولو لشبر واحد! إخلاء سبيل جميع سجناء نظام القمع والظلم، النظام الجمهوري. وبخاصة كون أن أحدًا لا يستحق سجون البوليسية المصرية (أرباب حبيب العادلي وزير التعذيب) حتى أعتى المجرمين. (**)

هذه قصة عن واحد من المصريين البسطاء الذين قادهم حظهم التعس تحت الأقدام الميري، وبالأخص 22 مواطنًا قضيت معهم 6 أشهر في غرفة واحدة – وبالطبع ستختزل كلماتي الكثير وستكون قاصرة على ما أستطيع شرحه وليس ما حدث ويحدث لهم – لكن ببساطة (4 خرجوا من السجن بالكفالة – 2 حوكموا بالإعدام ويلبسون اليوم الملابس الحمراء لمحكموم الإعدام – 4 حكم عليهم بالسجن المؤبد والسجن 15 عامًا – 7 حكم عليهم بالسجن 10 سنوات – 5 ما زالوا محبوسين احتياطيًا)، جميعهم قضاياهم ملفقة من الألف للياء. اعرف أسماءهم الكاملة لكن هل أستطيع ذكر أسمائهم؟ (***)

اُتهم بالانتماء لداعش رغم أنه طبعًا لم يفعل شيئًا! لا يزال يدخن وقد اعتاد المخدرات حتى وقت سابق (قبل أن يهديه الإله!) لأنه من أبناء الأحياء الفقيرة، فطبعا لم يزره أهله لمدة لا تقل عن الشهور الثلاثة الأولى لسجنه. لم يجدوا المال الكافي لمتابعته في السجن. أرسل ورقة صغيرة تحمل رقم هاتف وجملة قصيرة مع سجين يخرج لزيارة والدته. أخبر هذا السجين أمه بضرورة الاهتمام بهذه الرسالة لصعوبة أحوال صاحبها (كونه لا يتلقى الزيارة) قامت الأم بأكثر من دورها، فاستطاعت أن تحصل لهم على معونة لا تتجاوز 30 دولارًا في الشهر، وعندها بدأ إخوته في زيارته بالسجن البعيد عن المدينة، جلبوا له الملابس البيضاء وبعض الدخان والطعام المجفف. وبعد ما يقرب الشهر تحسنت صورته كثيرًا، ولهذا بدأ الإخوة في التخطيط لإخبار والدهم بأنه مسجون لدى الديكتاتورية العسكرية.

هو أصغر إخوته رغم أنه يبلغ الخامسة والثلاثين من العمر، ولهذا فإن والده يقارب عمره الثمانين عامًا. اعتاد العجوز أن يسأل عن ابنه الصغير أين يغيب واعتاد الإخوة أن يخبروه أنه يعمل في سيناء، لكن بالنهاية أخبروه (صغيرك مسجون منذ 4 أشهر لكن لا تقلق هو بخير وستراه الخميس القادم بمحكمة الإسكندرية، لأن العجوز لن يتحمل الطريق الشاق للسجن البعيد عن المدينة) ذهب الوالد المكلوم إلى المحكمة وأصيب بسكتة دماغية لما رأى ابنه وراء القضبان بالقيود الحديدية وبملابس السجن البيضاء. اذكر الأيام التي تلت هذه الحادثة بأنه لم يستطع أن ينام ليل السجن قلقًا على أبيه الذي سقط مغشيًا عليه في المحكمة من هول الصدمة على صغيره الذي يبلغ منتصف الثلاثينات. ومن هذا الموقف فهمت أن أسوأ ما يمكن أن يأكل عقل السجين هو أن يفكر في عجزه فيما يحدث بالخارج، بعد شهور أربعة أخرى، خرج العجوز من المشفى لكني أسأل نفسي بشكل موسمي كلما أتذكر، كيف حال العجوز عندما علم بأن ابنه حكم عليه بالإعدام شنقًا! المصيبة أنه وبعد أن أخبره أولاده بحقيقة أن ابنه مسجون فلن يستطيعوا أبدًا إخفاء حقيقة أنه محكموم بالموت شنقًا، لأن الوالد طبيعي سيسأل عما وصل إليه حال ابنه وإذا رآه في أي يوم فسيستطيع بسهولة أن يميز أن ابنه محكوم بالموت من الملابس الحمراء التي يجبر على ألا يرتدي غيرها.

اعتدنا القول بأننا أصبحنا نعرف بعضنا البعض أكثر مما يعرف الأخ أخاه. فلقد قضينا ستة أشهر كاملة في غرفة واحدة دون أن نخرج منها إلا بضعة ساعات في اليوم. عندما أنام أو أستيقظ كنت أراه أمامي، عندما أدخل دورة المياه بالغرفة أسمع صوت حديثه. والآن أصبح هو محكوما عليه بالموت. قرأت أن جزءًا من الإنسان يموت بموت أحد معارفه. والآن هنالك جزء مني يصارع الموت بذكراه. لا أستطيع أن أزيله من ذاكرتي اليومية، خاصة أن جميع نزلاء الغرفة كانوا على ثقة بأنه سيحاكم بعقوبة مغلظة نظرًا لتهمته الثقيلة، لكن أحدًا منا لم يتخيل أبدًا أنه سيلقى أقصى العقوبة في القانون الذي يحاكم به جميع نزلاء الغرفة (قانون الإرهاب الجديد) الذي أقرته الحكومة العسكرية لمواجهة المعتقلين السياسيين. لفقره فلن يستطيع تحمل تكاليف نقض الحكم أمام أعلى المحاكم المصرية (محكمة النقض) ولهذا وبينما نحن نأكل ونضحك ونعمل وننام ونحرض وننتقد، فهو ينتظر ليل نهار حبلا ظالما يُلف حول رقبته لينهي حياته التي لم يشهد فيها يومًا واحدًا سعيدًا، فليسقط قانون الإرهاب الجديد ولتسقط محاكم الجمهورية المصرية، محاكم تنظيم قمع المصريين.

أن تكون سجينًا سياسيًا في مصر الثورة المضادة المعاصرة 2013 وحتى الآن، فهذا يعني أن تُحشر وسط الإسلاميين وبخاصة داعمي رجعية (الإخوان المسلمين) ولأن أي عاقل عاصر الربيع العربي – أو حتى لم يعاصره ويتتبع فضائح حكم منظماتهم الفرعية الحالي في المغرب أو تركيا – لا يمكن أن يدعم برنامجهم أو حتى اسم منظمتهم، فإن جماعات من الإسلاميين سجناء الديكتاتورية العسكرية المصرية لا يستطيعون سوى موقف الضد من الإخوان المسلمين، فيا ترى أي بديل سيتبنون؟ الإسلام الراديكالي! وكأن الإسلام السياسي هو قدر لشرقنا الأوسط كما أن تعاليم المسيحية هي قدر كل المتقدمين!

طبقًا للتهم التي قدمتها ضده مباحث أمن الدولة، فهو لم ينفذ أو حتى يشارك في أي من أعمال الدواعش، ومع ذلك فقد كان ذا عقل دعشوشي صغير لم يمر على تشكله العام الواحد، رأى في قتل الشيوعي أولوية عن قتل ضابط البوليس كون الأول كافرًا أما الثاني مُرجئ! ولم يكن التردد أو عدم الإيمان بهذا القول هو ما يمنعه بقدر سماحة فكر الدواعش الذي يرفض الاغتيال طالما كان كل منا في محل الأسير! لا أحد يملك حق مصادرة حياة الإنسان، هذا ما يجعل مننا آدميين واستثناء (المعركة) يؤكد القاعدة.

الثوري ليس من يستطيع الخطابة والهتاف بقدر من يفهم أن الثورة هي آلية تغيير التاريخ والإنسان بما أن المجتمع هو المشكل للإفراد. ويرغب كل ثوري في الانقلاب المادي للمجتمع لإعلاء قيم الإنسانية. ولولا أن أعداءنا – سادة مجتمع الكلبية وكراهية الإنسان – لن يتخلوا عن امتيازاتهم وثرواتهم ومفاتيح سلاسل عبوديتنا إلا بعد حرب طويلة، لولا هذا لما تعهدنا في كل ليلة من عبوديتنا بألا يعترينا أي تهاون في المعركة ضدهم، لكن ستظل القيم والمُثل العليا، الإنسانية، هي الحكم بيننا وبينهم على طول الخط، الحقوق الإنسانية لا جدال حولها سوى بالسفسطة (الحق في الحياة – لا تصفية لأعزل – لا تعذيب – الحق في العلاج – الدفاع للمتهم …إلخ) عدونا هو من يطمح أن نتناسى حقوق الإنسان من فرط ما تألمنا وتعذبنا. وسنحقق لأعدائنا أفضل خططهم لحظة ما نتخلى عن هذه القيم – ولو حتى بسبب من معماع الصراع – لأنها ستكون لحظة تخلينا ليس فقط عن آدميتنا، بل أيضًا عن طريق انتصار ثورتنا.

(*) كل أبيات الشعر غير المذيلة باسم كاتبها هي لقتيل النظام الجمهوري «نجيب سرور»

(**) غير التعذيب ومصادرة حياة الناس، وغير حقيقة أن أسوأ السجون المصرية قد صمم على غرار السجون الإنجليزية (سجن العقرب) فكلنا يمكنه إقامة الحجة على حقيقة كون البوليس المصري قد اعتاد اعتقال أقارب المتهم لإجباره على تسليم نفسه. ويتبجح علينا سفهاء وعملاء بوجود دول متقدمة يتزعمهم أكبر مستعمري العالم (بريطانيا وفرنسا) الذين أقرت برلماناتهم منذ ما يزيد عن العام (بحجة مواجهة داعش) عودة العمل بتكتيك قديم قد بُنيت عليه حضارتهم (اعتقال أقارب المتهمين لإجبارهم على تسليم أنفسهم) من نقاط التشابه بين حقارتهم وحقارتنا يمكن البرهنة على فساد ادعاءات الطب النفسي البرجوازي عن جنون فكرة «هدم النظام العالمي بأكمله» أن الجنون هو الإبقاء عليه أو على أي من أجزائه بينما أول ما يجب هذا هو بالضبط هو أول ما يجب أن نفعله لنثبت عقلانيتنا! ففي زمان لم يكن سهلا فيه أن تسافر من محافظة لأخرى شرح أعمى النظر (أبو العلاء المعري) (لا تكن غرا فما في الأرض من فردوس وسافر بنفسك كي ترى) أما الآن وبرغم سهولة السفر حاليًا فإني أتمسك برجاحة الشعار التاريخي للاشتراكيين الثوريين، اقرأ تعلم ناضل!

(***) ينتقد بعض معارض السجناء ذكر أسمائهم لذا قررت ألا اذكر الأسماء، وأغلب الظن أن أسماءهم محض شكليات لن تهم. (لو كان بالأفعال تعرف الرجال لما صفعك بالسؤال كل ابن كلب، أين البطاقة؟!)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد