الإعدام.. هادم التعزيزات

في بداية الأمر نريد أن نُعرف ما هي أبعاد عقوبة الإعدام فضلًا عن تعريف العقوبة نفسها، عقوبة الإعدام من حيث أبعادها فهي عبارة عن سلب القيمة الأغلى في الوجود، ألا وهي حياة الإنسان الواعي، أو الحيوان العاقل إن جاز التعبير، وقيمة الإنسان الواعي هي الأغلى في الوجود والأثمن في مملكة الموجودات، لأن الإنسان هو أعقل كائن على وجه الأرض، وأي نصوص أو بنود أو علوم يتم إنشاؤها فهي تهدف في المقام الأول إلى تعزيز حياة الإنسان على وجه هذا الكوكب التعيس، سواء عن طريق الدساتير المختصة بدولة بعينها، أو المواثيق الدولية التي تربط الدول بعضها ببعض، أو عن طريق شتى المجالات العلمية التي تخلق حلقة وصل ضرورية بيننا وبين فهم الطبيعة من حولنا بشكلٍ أفضل، والذي يصب في النهاية في البؤرة نفسها، ألا وهي بؤرة «تحقيق الأفضل لحياة الإنسان»، ووسط هذه الإسهامات المختلفة في موضوعاتها والمتفقة في هدفها، تأتي عقوبة الإعدام على نهج الهدم وسَحل التقدم لتسلب هذه القيمة ولترسل الإنسان في رحلة مأساوية المعالم وذات تذكرة ذهاب بلا عودة إلى محطة الموت مجهولة الملامح.

رحلة ذات اتجاه مفلس

تلك كانت أولى النقاط التي أردت أن أسلط الضوء والأشعة والفوتونات كلها عليها، ألا وهي كَون الإعدام قرارًا عفويًّا ذا اتجاه واحد فقط بلا رجعة، وهذا التصرف ذو البُعد الواحد يستوجب علينا طرح أول الأسئلة ونقول: عن طريق أية تحليلات ودراسات يُصدر حكم الإعدام؟ فتكون الإجابة هي: أنه يُصدر عن طريق المحاكمات التي تسير على بنود القانون، ولكن لحظة لحظة، هل القوانين ذات النفحات البشرية المتغيرة تتميز بالصحة المطلقة من الأساس؟ لأنه على حد علمي قصير المدى، فتلك القوانين هي نتاج جهود ودراسات بشرية قابلة للتطوير في أي لحظة بهدف تقليص الثغرات وتعزيز الكرامة والحرية والحقوق الآدمية وجميع القيم التي تراها بعض الدول مضرة بالصحة، ولُب السؤال يولد عند تلك اللحظة من رحم السطور السابقة، واللُب يقول كيف يُبني قرار مطلق بلا رجعة على دراسات نسبية الصحة؟ كيف يتولد قرار من المفترض أنه مطلق الصحة نظرًا لكونه ذا اتجاه واحد بلا رجعة، مثل الإعدام، من رحم أدوات نسبية الصحة مثل القوانين البشرية؟ وكنوع من أنواع حُب الاستطلاع عن مدى تفشي قرارات الإعدام والحبس غير المتسقة وغير المطلقة، والتي ظهر فيها مقدمات وأدلة جديدة أسفرت عن إثبات براءة العديد من المهتمين بعد فوات الأوان، فألقي نظرة على كم الحالات التي ينقلها لنا مُعلمنا جوجل (1) والتي تُظهر قضايا مختلفة وعشوائية تشترك في كون محاكمتها غير سليمة بشكل مطلق، ولكن الفرق الجوهري بين تلك القضايا التي يسردها لنا المصدر السابق هي أن بينها أحكام مؤبدة وأحكام إعدام، الأولى قابلة للمداواة والتصحيح، أما الثانية فلا حل لها إلا التحسر والبكاء في زوايا المحاكم من قِبل القضاة بينما يقولون بصوت بريء ونادم : «نعتذر لكم، لقد قتلنا عشرات الأفراد عن طريق الخطأ»، ثم يجلسون على مجالسهم نفسها ليُلقوا أحكامًا أخرى بالإعدام.

الإعدام أداة للتوجيه السياسي

في هذه الفقرة اود أن أسلط ما تبقى من الضوء أو الكشافات والليزر على عقوبة الإعدام بوصفها أداة قمعية في الوسط السياسي، ففضلًا عن كَون معدل الإعدام في الدول المطبقة للعقوبة يكون موجهه في جبهة المواطن الكادح ذي الدخل المتوسط أو المعدوم نظرًا لكونه ذا سعر رخيص، قد يزداد قليلًا في السوق السوداء، فمِن الضفة الأخرى نرى الأغنياء وأصحاب النفوذ وعلاقات المداعبة المالية المتبادلة، تؤول نسبة إعدامهم للصفر (2) (3) (4).

وعوضًا عن الحديث عن توجيه العقوبة تجاه الفقراء والمعارضين السياسيين، وعوضًا عن الحديث عن إزاحة العقوبة عن طريق أصحاب النفوذ وكتاكيت السلطة، ونظرًا لكون تلك التوجيهات ستُقابل بالإنكار على الأغلب، فدعنا نتناول انعدام التكافؤ في الفكرة ذاتها، فهل دخل المواطن الكادح، الذي يوجه له العقوبة دومًا، لديه المقدرة على توكيل محامٍ درجة أولى؟ هل تتوافر أمامه الفرص نفسها التي تتوافر أمام رجل الأعمال؟ هذا التفاوت في الفرص يشير بأصابعه العشر نحو تمكين طبقة في المجتمع على طبقة أخري في المجتمع ذاته، ويجرح بشكل واضح في مفاهيم يهدف إليها القانون كأولوية مثل العدالة الاجتماعية وقدم المساواة أمام القانون من حيث الفرص والأحكام القضائية، ولكن من الواضح أن القانون يمر بأزمة وجودية حادة أدت إلى نسيان أسباب خلقه من الأساس.

«الانتقام ليس هو الحل، الحل يكمن في تقليل العنف وليس في التسبب في مزيد من الموت» ماري دينز، قُتلت حماتها في عام 1972م

احد أكثر الإجابات شيوعًا لتبرير أحكام الإعدام هي أنه الشخص الذي يقتُل يجب أن يُعاقب عن طريق الجريمة نفسها التي فرضها، ألا وهي أن يُقتل هو الآخر، بعيداً عن التناقض الباطن في هذا الطرح بين كَون الطارح يقول بنبذ القتل ومدى بشاعته ثم يؤيد العقاب بالقتل، أي إنه يستنبط العقاب من باطن الجريمة المنبوذة نفسها، ولكن دعنا نتخطى تلك المفارقة ونتطرق لتلك التبريرات، أولًا ما هي فلسفة الجريمة والعقاب عزيزي القارئ؟ تتمحور فلسفة الجريمة والعقاب في مكوناتها حول نقطتين، ألا وهما التأديب المتوازي مع الفعل لتحمل الفاعل مسؤولية أخطائه، والمتوازي مع الفعل لا تعني أن يكون التأديب هو ذاته الجريمة، فمن أهداف تلك الحزمة من الأنظمة التي تخلق فلسفة الجريمة والعقاب هي محو الجريمة، وذلك لا يحدث عند جعل العقاب في حد ذاته جريمة، نحن لا نسرق من السارق، ولا نعتدي على المُعتدي، ولا نحتال على المُحتال، بل نكافئ بين الجريمة والعقاب الملائم الخالي من أي شوائب للجريمة، وثاني نقطة في تكوين منظومة الجريمة والعقاب هي إعادة التأهيل لهذا المجرم لإعادته كإنسان سوي قادر على التعامل مع الأفراد من حوله في المجتمع (5).

ومن مركزية كلتا النقطتين وعند وضع عقوبة الإعدام في ضوئهما سنرى انهيار عقوبة الإعدام نظرًا لكونها لا تفيد التأهيل ولا تفيد التأديب، فكيف ستقوم بتأديب شخص ستقتله بعد بضع ساعات؟ أتؤدبه على حسن التصرف في الحياة الأخرى؟ فلا مغزى من التأديب طالما أن الشخص سيُقتل من الأساس، وبالمثل أين تقبع إعادة التأهيل التي ننتظر ثمارها في المجتمع من شخص سننهي حياته قريبًا؟ فحتى عقوبة المؤبد التي تعد أقصى العقوبات الحالية بعيدًا عن الإعدام، فهي توفي نقطة إعادة التأهيل، لأنها عوضًا عن تأهيل المسجون للانخراط وسط المجتمع كمواطن صالح فيما بعد، فهي تركز على خلق إنسان سوي قادر على التعايش والإنتاج في أي مجال علمي أو ثقافي أو صناعي (5).

ولكن يظل السؤال الأهم مطروحًا على الطاولة، ألا وهو أليس الإعدام رادعًا قويًّا ضد ارتكاب جريمة القتل؟ جريمة القتل من وجهة نظري تنقسم لنوعين، النوع الأول هو جريمة القتل التي يُقبل عليها إرهابي ذو قيادة وتنظيم وملف كامل من المعتقدات والآراء، والنوع الثاني هو الفرد الطبيعي الذي ارتكب جريمة القتل لأي دافع وارد، في النوع الأول، النوع الجهادي، هل تعتقد أن قتل حفنة من المجاهدين الذين يلقون بأجسادهم أمام الرصاص لنيل الشهادة أو لاعتقادهم وإيمانهم بقضية معينة، هل تعتقد أن قتلهم سيكون رادعًا لهم؟ هل تعتقد أن الإرهابي سيقوم بالتفجير والقتل والتعذيب اعتقادًا منه أننا سنكرمه في ميدان عام؟ بالطبع يعلم الإرهابي مصيره، وقبول هذا المصير بصدر رحب يشترط وجود سبب قوي قابع خلف تلك الأفعال البشعة، سبب يستحق أن تُقتل لأجله بكل أريحية، فهل تعتقد أن إعدام الإرهابي، الذي يهدف إلى القتل ثم الموت، سيكون رادعًا مناسبًا له؟ أم سيجعل منه رمزًا بين باقي التنظيم لكونه حارب ووصل لمبتغاه وحقق أفكاره التي ثابر من أجلها ثم مات في سبيل الفكرة أو التمكين أو اللّه؟ ومن الضفة الأخرى لدينا الفرد الاجتماعي الطبيعي الذي يقتل لأي دوافع حياتية وليس لتمكين فكرة معينة، وأبسط ما يمكن قوله في هذا الادعاء هو أنه ادعاء هش لا يقف على رصد إحصائي واقعي، بل على العكس، فلقد قَل معدل جرائم القتل في كندا للنصف، عما كان قبل سنة 1976م، مع العلم أن 1976م هي السنة التي أوقفت كندا عقوبة الإعدام بها ومنذ ذلك الحين وهبط معدل ارتكاب الجرائم للنصف في أرجاء كندا، فوفقًا للإحصائيات يا عزيزي الكريم فتطبيق عقوبة الإعدام لا يقلص من حجم ارتكاب جريمة القتل، بل على العكس، إن إلغاء العقوبة والتركيز على أساس الوعي وعلى دراسة الأسباب المؤدية لارتكاب الجريمة ومعالجتها هو الذي أدى إلى تقلص نسبة ارتكاب الجرائم(2) (3).

الإعدام هو في حد ذاته الجريمة، واستمراره سيؤدي لزيادة وتيرة القتل التي كان مطلبنا الأول محوها، فلا يتسق الإعدام مع أساسيات الجريمة والعقاب، فضلًا عن عدم اتساقه مع أرض الواقع وانعدام تواطؤه في حل أية مشكلات، عقوبة الإعدام ما هي إلا انتقام لزيادة شيوع اللون الأحمر، وما دون ذلك فهو غير متحقق تحت سقفها المنبطح المتجه نحو الاحتضار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد