في نوفمبر (تشرين الثاني) 1918، وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، بعد أن خلَّفت وراءها 10ملايين قتيل و20 مليون جريح، إضافة إلى خسائر اقتصادية قُدِّرت بمئات الملايين من الدولارات. لم تكن تلك الخسائر هي النتاج الوحيد وفقط، كلا بل لقد كلَّفت العرب والمسلمين خسائر عقدية ومادية وجغرافية مهولة صادمة.

فلقد زالت حقبة تاريخية بما لها وما عليها لتحل غيرها محلها بلاعبين جدد تناغمت أيدلوجياتهم المتباينة وطموحاتهم الشخصية مع الأيديولوجية الواحدة للعالم الغربي، حتى وإن تعارضت المصالح، فالمطمع الذي اصطف الغرب خلفه، يتمثل في إذلال الشرق.

وكان أيضًا من نتاج تلك الحرب، هو إعادة تنظيم العلاقات ما بين الدول الكبرى مع بعضها البعض من جهة، وما بينها وبين عالم الشرق من جهة أخرى.

إعدام الشرق والطريق الثالث.

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ها هم المنتصرون الذين سيطروا على مجريات الأحداث العالمية قد بدأوا عقد سلسلة من مؤتمرات الصلح بين الأطراف كافة، فيا تُرى ما هي النتائج التي سوف تتمخض عنها تلك المساعي؟

وحتى يكون التناول سلِسًا، فسوف أتناول هذا الأمر المهم والخطير على عدة محاور. أولها فيما يخص المعسكر الأوروبي المهزوم، وثانيها فيما يخص الجانب التركي، وثالثها فيما يخص الجانب العربي المتعدد الأطراف، وبطبيعة الحال، فإن المعسكر المنتصر هو صاحب الكلمة المؤثرة، هذا المعسكر يضم كلًا من بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، ثم إيطاليا.

بعد إقرار ألمانيا بخسارتها الحرب، انعقد مؤتمر للسلام في باريس، في يناير (كانون الثاني) 1919، جمع ممثلين عن 27 دولة بعضها شارك في الحرب بطريقة غير مباشرة، وذلك للتباحث من أجل التوصل إلى معاهدة تتضمن شروط السلام وإعادة ترسيم الحدود في القارة الأوروبية، إضافة إلى البحث عن حلول للأزمات المتنوعة التي خلَّفَتها الحرب. وقد أفضت تلك المؤتمرات إلى توقيع معاهدة فرساي بفرنسا في يونيو (حزيران) عام 1919، والتي كبدت ألمانيا خسارة ما يقارب من 13% من أقاليمها الأوروبية وخسارة 10% من مجموع سكانها. إضافة إلى إقرار عصبة الأمم وضع المستعمرات الألمانية في أواسط إفريقيا تحت الانتداب البريطاني والفرنسي.

لم تكن معاهدة فرساي هي الوحيدة التي تم إبرامها في تلك الفترة، كلا؛ فهناك معاهدات أخرى، كمعاهدة سان جيرمان مع النمسا في سبتمبر (أيلول) 1919، ومعاهدة نوي سور سين مع بلغاريا في نوفمبر1919، ومعاهدة تريانون مع المجر في يونيو 1920. ثم جاءت بعد ذلك معاهدة سيفر مع الدولة العثمانية في أغسطس (آب) 1920. وهذا هو المحور الثاني.

لقد استغرق إنجاز معاهدة سيفر قرابة 16 أسبوعًا، ولقد نصَّت المعاهدة على تقسيم الدولة العثمانية وتحديد طبيعة الكيانات السياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى. من أهم البنود التي نصت عليها معاهدة سيفر، اعتبار مضايق البسفور والدردنيل مناطق منزوعة السلاح، مع وضعها تحت إدارة عصبة الأمم. ضمان حصول الأكراد والأرمن على الاستقلال عن الدولة التركية. مُنِحت فرنسا وإيطاليا واليونان مناطق نفوذ في جنوب وغرب ووسط الأناضول، مع مَنْح تراقيا والجزر التركية الواقعة في بحر إيجة لليونان. كما أبقت الاتفاقية على الآستانة تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي والإيطالي الذي بدأ في نوفمبر 1918 إلى آخره.

لقد أطاحت بنود معاهدة سيفر تماما بوجود الدولة العثمانية من الأراضي الأوروبية، إضافة إلى ما يخص الجانب العربي.

ورغم الانتهاء من وضع بنود المعاهدة، إلا أنها لم تر النور، بسبب ما كان يدور على أرض الدولة التركية من تحولات جذرية غيرت الموازين على أرض الواقع في تلك الأثناء، فلقد انفصلت الحركة القومية التركية عن الدولة العثمانية وأسست برلمانًا خاصًا بها تحت اسم الجمعية الوطنية الكبرى في أنقرة، بزعامة كمال أتاتورك، ولقد صارت هذه الجمعية هي الحاكم لتركيا.

قاد أقطاب الجمعية الوطنية الكبرى، قبل وبعد تأسيسها، القوات التركية إلى الحرب على أكثر من جبهة، فلقد اشتبكت القوات التركية مع بعض قوات دول الحلفاء في أماكن متفرقة، ولقد حققت مكاسب وانتصارات أربكت الحسابات، وذلك ما شجع الطرف التركي المتفاوض على رفض معاهدة سيفر. وتجدر الإشارة إلى أن المؤرخين والكتاب قد اختلفوا على من حرك وقاد تلك التحركات القومية التركية، فمنهم من نسبها إلى أتاتورك، ومنهم من نفى نِسْبَتِها إليه جملة وتفصيلًا، مشيرًا إلى التقاء طموحاته مع أطماع دول أوروبا في المنطقة، ومنهم من أشار إلى حسن استغلاله الفرص مع تحالف الحظ معه.

على إثر تلك الأحداث الطارئة حّلَّت معاهدة لوزان محل معاهدة سيفر، وذلك في يوليو (تموز) 1923، وفي هذه المعاهدة تحققت مطالب حكومة أنقرة، مثل: إعادة كامل ولاية أدرنة للدولة. الجلاء عن كل الأماكن المحتلة في البلاد. إنهاء مشروع المنطقة الدولية الخاص بالمضايق. إلغاء مشروعات المراقبة والتدخل المالي. إعادة بعض جزر البحر المتوسط إلى الدولة.

أما بالنسبة للدول المنتصرة فقد تحققت لها الشروط التي وضعها المفاوض البريطاني، وأهمها، إلغاء الخلافة الإسلامية، وإخراج آل عثمان من تركيا إلى الأبد. إلغاء الشريعة الإسلامية واستبدالها بدستور مدني مستمد من القوانين الأوروبية. مع إعلان أنقرة عاصمة جديدة للجمهورية التركية.

وهكذا أُسدِل الستار على دولة عظمى استمرت قرونا تحكم باسم الإسلام، وهكذا طُوِيَت صفحة دولة الخلافة الإسلامية وفُتِحَت صفحة دولة تركيا الأوروبية.

وأما الجانب العربي فهكذا كان شأنه في تلك المفاوضات والمعاهدات.

اجتمع المجلس الأعلى للحلفاء في سان ريمو بفرنسا في أبريل (نيسان) 1920، ليقرر وضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ولقد اقتطعوا شرق الأردن من سوريا ونصبوا عبد الله بن الحسين أميرًا عليها. ووُضِعَ العراق تحت الانتداب البريطاني ولقد نصَّبوا فيصل بن الحسين ملكًا عليها. وأما فلسطين، فهكذا كان سير أحداثها.

حينما سافر الأمير فيصل بن الشريف حسين إلى فرنسا لحضور مؤتمر الصلح الذي عُقِد في فرساي، ممثلًا عن والده، رفضت الحكومة الفرنسية اعتباره ذا صفة رسمية، وهنا تدَخَّل توماس إدوارد لورنس، ناصحًا فيصل بعقد اتفاق مع حاييم وايزمان ممثل الصهيونية العالمية وقتئذ، ولقد أقنعه بأهمية وضرورة الاتفاق مع اليهود حتى يتمكن من حضور المؤتمر لمواجهة الأطماع الفرنسية في بلاد الشام، وقد اقتنع فيصل بنصيحة لورنس ووقع الاتفاق مع اليهود. وأثناء انعقاد مؤتمر الصلح تقدم الصهاينة بمذكرة أرفقوا بها الاتفاقية التي وقعوها مع فيصل، ولقد طالبوا في مذكرتهم بوضع فلسطين تحت مِلكية عصبة الأمم، على أن تفوِّض عصبةُ الأمم، بريطانيا بإدارة شئون فلسطين بصفتها دولة منتدبة، وعلى أن يكون الهدف الأساسي لنظام الانتداب هو إنشاء وطنٍ قوميٍ لليهود عليها، وذلك بتشجيع الهجرة وتسهيل إقامة اليهود في فلسطين، وطالبوا أيضًا بإنشاء مجلس يهودي يمثل يهود فلسطين ويهود العالم بأسره في الوطن القومي لليهود، مع تسهيل القيام بالمشروعات العامة والحصول على الامتيازات والاستثمار في الموارد الطبيعية.

وبالفعل أعلنت عصبة الأمم عن مشروع الانتداب البريطاني على فلسطين في يوليو 1921.

يقول كمال الدين رفعت في كتابه، الاستعمار والصهيونية وقضية فلسطين، لقد دخلت بريطانيا فلسطين عام 1918، وفيها 50 ألف يهودي، و650 ألف عربي، وخرجت منها عام 1948، وفيها 180 ألف عربي وأكثر من 650 ألف يهودي.

وأما أرض الجزيرة التي انطلقت منها الثورة العربية،  فبعد ذهاب الحكم العثماني عنها، تكونت خمس دول جديدة بخمسة حكام، وهم، الملك حسين في مملكة الحجاز، والسلطان عبد العزيز بن سعود في سلطنة نجد، والإمام يحيى في إمارة اليمن، ومحمد الإدريسي في منطقة عسير، وابن الرشيد في إمارة شمر. وشملت هذه الدول الخمس كل المناطق المأهولة بالسكان وقتئذ، باستثناء الإمارات الصغيرة على ساحل خليج العرب والمحيط الهندي. وعلى إثر تَكوُّن هذه الدول، دخلت المنطقة في مرحلة جديدة من مراحل الصراع.

وأما بقية الأقطار العربية الأفريقية فقد بقيت تحت الاحتلال.

 

إعدام الشرق والطريق الثالث. أُكمِلُ ما تبقى في كتابات قادمة    

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الأمم المتحدة في نصف قرن للدكتور حسن نافعة
الطريق إلى بيت المقدس.. الدكتور جمال عبد الهادي
تركيا التي عرفت.. مصطفى محمد الطحان
موسوعة السياسة.. عبد الوهاب الكيالي
يقظة العرب.. جورج أنطونيوس
الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط.. كريستيان كوتس أولريخسن
الذئب الأغبر.. آرمسترونج
عرض التعليقات
تحميل المزيد