تُرى لو أن شجرة ضخمة، نَبَتَت منذ عقود، ضربت بجذورها في أعماق الأرض، ساقها طويلة ملساء، أفرعها كثيرة، أوراقها كثيفة، ثمارها سامة مميتة، تشاور الناس في أمرها؛ فأجمعوا على ضرورة الخلاص منها.

وقفوا أمامها، وداروا حولها، اختلفوا في الطريقة المُثلى للخلاص: فمنهم من قرر أن يقذفها بالحجارة لشدة غضبه، ومنهم من يوجه إليها السباب والشتائم لقسوة ألمه، ومنهم من تسلق بعناء ساقها الطويلة الملساء حتى صعد أعلاها، ثم أخذ يهز أفرعها؛ فتساقطت منها بعض الأوراق، فانطلقت صيحات التهليل والتكبير من الجميع، لقد اعتقدوا أنهم على وشك أن يجتثوا الشجرة من فوق الأرض.

وبعد فترة ليست بطويلة أصابهم الإعياء جميعًا، فلم يجدوا بُدًّا إلا أن يُجدِّدوا اتفاقهم على الشكوى، مع توجيه الشتائم والسُّباب لتلك الشجرة، بينما نموها لم يتوقف للحظة؛ لأن قوانين الطبيعة لا تبالي بمثل ما يفعلون.

مما ذكره ضابط البحرية الأمريكية وليم غاي كار في كتابه: (أحجار على رقعة الشطرنج)، الذي يتناول مخططًا وضعه آدم وايز هاوبت عام 1776، والذي يهدف إلى تقسيم الشعوب، وصُنع المعسكرات المتحاربة: ينبغي أن يتم تقسيم الشعوب، أوالقطعان البشرية، إلى معسكرات متنابذة تتصارع إلى الأبد حول عدد من المشاكل التي تتولد دونما توقف: اقتصادية، وسياسية ،وعنصرية، واجتماعية… إلخ.

ولتنفيذ هذا المخطط، لابد من تسليح تلك المعسكرات بعد خلقها، ثم لابد من تدبير حادث كل فترة لتنقضَّ هذه المعسكرات على بعضها البعض، فتُضعف نفسها محطِّمة الحكومات الوطنية والمؤسسات الدينية.

في عام 1980، وبينما كانت الحرب العراقية الإيرانية مستعرة، أدلى زيغينو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي بدلوه عن مستقبل الشرق الأوسط، فقال: إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية مستقبلًا تتمثل في طريقة إشعال حرب خليجية ثانية، كالمشتعلة بين العراق وإيران، لنستطيع من خلالها تصحيح حدود (سايكس – بيكو).

فور إطلاق هذا التصريح قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتكليف المؤرخ برنارد لويس لوضع مشروعه الخاص بتفكيك الوحدة الدستورية لمجموعة الدول العربية والإسلامية، ومنها: مصر والعراق وسوريا والسودان وتركيا… إلخ.

عام 1983 وافق الكونجرس الأمريكي بالإجماع في جلسة سرية (تم تسريبها) على ما خطط له برنارد لويس ليتم اعتماده وإدراجه في ملفات السياسة الأمريكية.

في سبتمبر2013 نقلت وكالة رويترز عن قناة سي إن إن الأمريكية أن صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية نشرت خريطة تُظهر فيها خمس دول بالشرق الأوسط وقد قًسِّمت إلى 14 دولة؛ وذلك بفعل النزاعات الطائفية والسياسية التي تشهدها المنطقة. وقد نقلت ذلك أيضًا بوابة الأهرام في الثلاثين من سبتمبر(أيلول) 2013 تحت عنوان: نيويورك تايمز تنشر خريطة تقسيم خمس دول عربية إلى 14 دولة.

نظرية المؤامرة نتفق عليها أو نختلف، ولكنها موجودة، وهي قديمة بقدم الصراع ما بين الحق والباطل. والعرب في هذا الزمان ليسوا أفضل من الأنبياء والرسل، حتى يكون لهم الاستثناء، وبخاصة لِما يمتلكون من مقومات وخصائص.

ومن ثم أقول: هكذا هو العالم لمن أراد أن يحكمه: القوي يسعى لإضعاف القوي؛ حتى يصير هو الأقوى. والأقوياء يلتهمون الضعفاء. هكذا هو العالم الذي ما عاد يسمح لضعيف أن يكون مؤثرًا في إدارة شئون العالم.

 

إعدام الشرق والطريق الثالث

آثرتُ أن أبدأ هذه السلسلة الجديدة بهذه الطريقة؛ حتى تكون الدلالة واضحة منذ البداية. أما سبب اختياري لهذا العنوان: إعدام الشرق والطريق الثالث. فسوف يأتي ذكره في كتابات قادمة.

والآن سوف أنقل بعض أهم الأحداث الخارجية والداخلية المتنوعة، سياسية، وعسكرية، واقتصادية؛ وذلك لأطرح بعض الأسئلة.

في السادس من ديسمبر (كانون الأول) 2017، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

في الأول من مارس (آذار) 2018 نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا يتناول تهديد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين للغرب بجيلٍ جديد من الأسلحة النووية، يشمل صاروخ كروز عابر للقارات لا يُقهر، وطوربيد نوويًا يمكنه التفوق على كل الدفاعات الأمريكية. في ذات اليوم ردَّت واشنطن على تصريحات بوتين، وقد قلَّلَ الأمريكان من أهمية ما قاله الرئيس الروسي، مشيرين إلى استعدادهم التام لأي تهديد.

في الثاني عشر من مارس 2018 نقلت صحيفة الجارديان البريطانية عن تقرير أصدره معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بشأن سباق التسليح الذي تخوضه دول منطقة الشرق الأوسط (منطقة الصراعات والحروب) أن ما يقارب من نصف صادرات الأسلحة الأمريكية كان من نصيب تلك الدول. وقد مثَّلت وارداتها في السنوات الأخيرة ما يقارب من 32% من الأسلحة العالمية.

في السابع عشر من فبراير (شباط) 2017 نشرت العديد من المواقع المصرية والعربية، نقلًا عن صحيفة لاتريبيون الفرنسية عن أزمة مقاتلات الرافال التي تسلمتها مصر، حيث لا تستطيع حمل الصواريخ الموجهة المدرجة في فهارس الطائرة، نتيجة رفض الولايات المتحدة تصدير الأجزاء الخاصة بصاروخ كروز ستورم شادو لفرنسا، رغم تضمينه في الصفقة المصرية، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توقيع القاهرة اتفاق شراء 24 مقاتلة، في صفقة ضخمة من نوعها.

في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2017 نشرت جريدة روزاليوسف تقريرًا صحافيًا, بعنوان (أخطر 10 أسئلة رصدها التعداد السكاني).

تناولت بيانات التعداد السكاني مصر2017 التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وكان من بين المفاجآت التي أُعلِنتْ، تلك التي تتعلق بطبيعة ووضع الوحدات السكنية, حيث أشارت الإحصاءات إلى أن أكثر من 2 مليون أسرة تستخدم حمامًا مشتركًا، و40 ألف أسرة ليس لها حمام، بالإضافة إلى 2 مليون أسرة تستخدم مطبخًا مشتركًا. وبعد فترة وجيزة من نشر هذا التقرير، وتحديدًا في مارس الجاري، أدرجت مجلة فوربس الأمريكية أسماء ستة من المليارديرات المصريين في قائمة أثرياء العالم لعام 2018، حيث تبلغ ثروتهم 18 مليار دولار.

والسؤال: ما الذي قد جرى، حتى وصلنا إلى هذه الأوضاع المتردية؟ إننا في مصر وبالتبعية في المنطقة العربية لم نُصَبْ بهذه الحالة فجأة ما بين عشية وضحاها. إن حالة التردي هذه ما أصابت مجالًا واحدًا فقط، بل إنها حالة عامة لم تترك مجالًا من مجالات الحياة، إلا وتخللته. أين كان المصريون والعرب وقت أن بدأت أوضاعهم تأخذ هذا المنحنى المخذي والمهين؟ تُرَى أية قوة خارقة أدخلتهم في هذا السُّبات العميق الذي طال أمده وتوحش ضرره؟

من السهل جدًا أن نُلقي باللائمة على الأنظمة الحالية، أو الأنظمة السابقة، من السهل أن يتهم أحدُنا أحدَنا بالخيانة والعمالة، أو على الأقل بالتقصير، ولكن أليس جميعنا منتم إلى هذا الجيل الذي في عصره وصلت تكنولوجيا العالم إلى ما وصلت إليه؟ أليس جميعنا ينتمي إلى هذا الجيل الذي في عصره اتخذ ترامب قراره بشأن القدس؟ أليس جميعنا ينتمي إلى هذا الجيل الذي صار يعلم بالحدث وقت وقوعه، بل يشاهده على الهواء مباشرة؟ أليس جميعنا ينتمي إلى الجيل الذي توافرت له تقنية الحصول على المعلومات عن مقدرات بلادنا وثرواتها من خلال الشبكة العنكبوتية؟ فماذا فعلنا غير المتابعة للمعرفة والشكوى؟

إن محصلة الأداء دائمًا هي مجموع الرغبة مضروب في مجموع القدرة. وإن ما وصلنا إليه من الضعف والخور والتردي،  يدل على انعدام الرغبة وانهيار القدرة، وبالتالي ساء الأداء؛ فتخلف العرب.

أعتقد أن الأمر يحتاج إلى تأصيل لنعلم شيئًا مما كان، ونحاول أن نطرح شيئًا مما ينبغي أن يكون، من خلال البحث بقدر الطاقة والجهد في الأسباب الحقيقية، ثم عن حلول وبدائل، وهذا ما سوف أحاول القيام به قدر الاستطاعة في هذه السلسلة.

وأختم هذه المقالة بالتعليق على هذا الحدث التي سوف تشهده مصر عما قريب.

في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2018 نقل موقع هافنجتون بوست عربي عن موقع ميدل إيست آى ما ذكره الكاتب البريطاني ديفيد هيرست بشأن السباق الرئاسي المصري، قال هيرست: إنه قبل أيامٍ من إعلان الفريق أحمد شفيق ترشحه للانتخابات الرئاسية، انعقد اجتماعٌ في القاهرة من أجل اختيار من سيرأس حملةً جادة لمنافسة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

حضر الاجتماع عددٌ من جنرالات الجيش السابقين رفيعي المستوى، ورموز المجتمع المدني، وكان من ضمن الحضور الفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق. وحضر أيضًا الفريق مجدي حتاتة، أحد من سبقوا عنان في منصب رئيس الأركان، وأسامة عسكر قائد الجيش الميداني الثالث سابقًا.

ووفقًا لمصادر تواصلت مع موقع ميدل إيست آي ووفق هيرست، تحدث من حضروا الاجتماع في بدايته عن دعم مرشح مدني، لكنَهم لم يتفقوا على واحد، ثم اتفقوا بعدها على دعم شفيق، بينما ظل عنان صامتًا، وحين تحطمت آمال شفيق في الترشح حوّل الحضور دعمهم إلى عنان.

نعلم جميعًا ما كان، ولقد شهدناه وتابعناه، فإما تساقط أو تراجع تلك الشخصيات التي أعلنت عن رغبتها خوض السباق الرئاسي. وأقول بناءً على ذلك الاجتماع الذي أشار إليه ديفيد هيرست، والذي جمع شخصيات مدنية وعسكرية مؤثرة.

كنت أتصور أنهم سيضعون خطة مُحكمة وسيناريو متميز للدخول في مرحلة السباق الرئاسي، كأنْ يحددوا عددًا من السياسيين المعارضين بخلفيات متنوعة، وليكن عددهم 10 أو أكثر ممن يتمتعون بسلامة الموقف القانوني، ثم يتعاهدون ويتفقون على أن يعلنوا جميعهم عن رغبتهم في الترشح بتتابع سريع جدًا وفي ساعة واحدة قبل فتح باب تلقي الأوراق بفترة محسوبة. ومن هنا تكون المفاجأة من خلال الكثرة والتوقيت. ورغم وجود العوائق، إلا أن تلك الطريقة كانت ستُحدث الصدى، ثم الأثر داخليًا وخارجيًا. ولكن ما كان هو أنْ تم تقديم الضحية تلو الأخرى، رغم علمهم واطلاعهم على طبيعة المشهد! فسقط الجميع ضحايا، مع إحداث الصدى دون أي أثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشرق
عرض التعليقات
تحميل المزيد