مما ذكره المؤرخون أن اليهود بمساعدة العالم الغربي قد بذلوا بذلًا عظيمًا حتى يستقر بهم المقام على أرض فلسطين، لقد دمروا العالم الإسلامي كله تقريبًا حتى يصلوا إلى لحظة إعلان الدولة اليهودية في عام 1948، بعدما أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين في نفس العام، وهذا العام أراه بداية التأريخ الأنسب لدخول اليهود الأرض المقدسة، وأما كل ما كان من محاولات سابقة فلقد كان بالإمكان التصدي لها من قِبَلِ المسلمين، لو أنهم وقفوا على حقيقة ما يحاك لهم.

وهناك فارق بين أن يهاجر الإنسان إلى بلاد غريبة بحثًا عن وطن، وبين أن يهاجر بنفسه وماله وأهله للعيش في بلاد صارت بالفعل له وطنًا.

وحتى يصل العالم للحظة إعلان قيام الدولة اليهودية، كان لابد من وضع تصورات مدروسة يتم تنفيذ خطواتها بدقة على أرض الواقع.

ومن هنا سوف أبدأ، لنقف على دلالات هي من الخطورة بمكان.

لا ينظر اليهود إلى فلسطين نظرة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، بل إنهم ينظرون إليها نظرة دينية، فهي أرض المعاد التي وعدهم الله إياها لتكون لهم وطنًا إلى قيام الساعة. هكذا يدَّعون، وعلى هذا الادعاء بنَوْا حلمهم.

وفي سبيل تحقيق ذلك الحلم كان لزامًا عليهم أن يبذلوا كل غالٍ ونفيس، وكان لزامًا عليهم ألا يعترفوا بالفشل، وأن يقتلوا اليأس والمستحيل حتى تتولد بداخلهم عزيمة تُحطم ضرباتُها العقبات والموانع.

في بداية القرن السادس عشر الميلادي حاول اليهود التسلل إلى أرض الشام، وخاصة فلسطين، ثم إلى سيناء المصرية، وذلك عن طريق الهجرة وشراء الأراضي؛ فتصدى لهم أمراء الدولة العثمانية الذين كانوا على علم بما ترمي إليه أفعالهم.

ففي عام1517 أصدر السلطان سليم الأول فرمانًا يمنع بمقتضاه اليهود من الهجرة أو تملك الأراضي بسيناء.

بعد رحيل السلطان سليم، جاء ابنه سليمان ليحل محله ويسير على ضربه ومنهجه في التعامل مع هذا الأمر. ولكن اليهود قد قتلوا اليأس بداخلهم، وبالتالي فهم لا يعترفون ولا يعرفون الاستسلام، فتكررت محاولاتهم، وتكرر التصدي لها من قبل الولاة والسلاطين.

ففي أعوام 1581 و1583 و1585 أصدر الوالي العثماني على مصر من قِبل السلطان مراد الثالث أوامره من خلال ثلاثة فرمانات لإخراج اليهود من أرض سيناء، وعدم السماح لهم بالإقامة عليها، أو حتى دخولها.

في عام 1882 وأثناء حكم السلطان عبد الحميد الثاني تدخل بعض كبار اليهود لدى القنصل العثماني العام في اليونان من أجل موافقة الباب العالي على منح يهود روسيا تصريحٍ بالهجرة إلى فلسطين والاستقرار بها. فكان الرد (إن الحكومة العثمانية تبلغ جميع اليهود الراغبين في الهجرة إلى الدولة بأنه ممنوع عليهم الاستقرار في فلسطين، وأن الدولة تسمح لهم بالإقامة في أي إقليم آخر من أقاليمها بشرط أن يكونوا رعايا عثمانيين خاضعين لقوانين الدولة).

فتدخَّل السفير الأمريكي في الآستانة لدى وزير الخارجية العثماني لعله يستطيع تحقيق شيء إيجابي في ذلك الأمر. فكان الرد واضحًا رافضًا. ولقد استمر السلطان عبد الحميد الثاني متمسكًا بهذا المبدأ.

في عام 1896 أصدر الصحافي النمساوي اليهودي تيودور هرتزل، كتابه: (الدولة اليهودية) ذكر فيه أن قيام دولة يهودية من شأنه أن يقلل من حدة اللاسامية المعادية لليهود، ثم انطلق هرتزل ليقدم إغراءات مادية لا تُقاوم إلى السلطان عبد الحميد الثاني، ولكن السلطان قاومها ورفضها، رغم عِظَمها وتكرار عرضها.

في عام 1902 انتهت الاتصالات ما بين هرتزل والسلطان عبد الحميد بعرض من الدولة العثمانية اشترطت فيه أن يتجنس المهاجرون اليهود بالجنسية العثمانية، وأن يوزَّعوا على جميع الولايات العثمانية في آسيا ما عدا فلسطين، بمعدل خمس أسَر لكل ولاية. فرفض اليهود ذلك العرض وأبَوْا إلا فلسطين.

في عام 1904 مات هرتزل، وكاد أن يموت معه حلم قيام الدولة اليهودية، لولا أن التقى الاستعمار البريطاني بخططه ومشاريعه للمنطقة مع أحلام الصهيونية في فلسطين.

في تلك الفترة كانت بريطانيا تمثل أقوى وأكبر الإمبراطوريات الاستعمارية في العالم، ولم يكن ينافسها في التطلع إلى الدولة العثمانية، إلا فرنسا التي رأت أن القارة الأفريقية هي مجالها المناسب للتوسع، وكانت ألمانيا رغم حداثة عهدها بالاستعمار قد بدأت هي الأخرى تتطلع إلى إفريقيا، وإلى مواطن نفوذ الإنجليز والفرنسيين. درست بريطانيا هذه الظروف ورأت أنه من الضروري إيجاد جبهة استعمارية واحدة للتنسيق بين مصالح الاستعمار المتضاربة، وبالفعل تم تشكيل لجنة عقدت أولى جلساتها في عام 1907، وقد ضمَّت ممثلين عن دول أوروبية عدة، منها بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، وقد أرسل رئيس الوزراء البريطاني في ذلك الوقت هنري كامبل بانرمان توجيهاته إلى  أعضاء تلك اللجنة، جاء فيها: (إن الإمبراطوريات تتكون وتتسع وتقوى، ثم تستقر إلى حد ما، ثم تنحل رويدًا، ثم تزول، والتاريخ مليء بمثل هذه التطورات، وهو لا يتغير بالنسبة لكل نهضة، ولكل أمة.

فهل لديكم أسباب أو وسائل يمكن أن تحول دون الانهيار أو تؤخر مصير الاستعمار الأوروبي، وقد بلغ الآن الذروة وأصبحت أوروبا قارة قديمة استنفدت مواردها، وشاخت معالمها، بينما العالم الآخر لايزال في شبابه يتطلع إلى مزيد من العلم والرفاهية؟ هذه مهمتكم أيها السادة، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤنا وسيطرتنا).

أعدت اللجنة تقريرًا اتسق تمامًا مع ما يتوق إليه اليهود الذين استطاعوا إحكام السيطرة على ممثلي دول أوروبا، فأثروا في مباحثاتهم. ولقد تضمن التقرير النقاط التالية:

1- أهمية السيطرة على البحر المتوسط شريان المواصلات بين الشرق والغرب.

2- استبعاد أي خطر على الاستعمار في أي من المستعمرات، عدا منطقة البحر المتوسط التي يكمن فيها الخطر على الاستعمار؛ لأنها مهد الحضارات ويسكنها شعب له مقومات الوحدة، وإذا تجمعت هذه المقومات مع نزعة هذا الشعب للتحرر، فسيكون في ذلك الضربة القاضية على الاستعمار. ولذلك فإن على الدول الاستعمارية ذات المصالح المشتركة أن تُبْقِي وضع هذه المنطقة على ما هي عليه مجزأة متأخرة، وأن تُبقي شعبها على ما هو عليه من تفكك وجهل.

3- لمواجهة هذا الخطر يجب فصل الجزء الأفريقي عن الجزء الأسيوي من هذه المنطقة، وذلك بإقامة حاجز بشري قوي وغريب في منطقة الجسر البري الذي يربط آسيا وأفريقيا على مقربة من قناة السويس لتكون قوة صديقة للاستعمار وعدوة للمنطقة.

وقد تلاقت الغايتان: غاية اليهود في بناء دولتهم على أرض فلسطين. وغاية العالم الغربي الاستعماري في الحفاظ على مستعمراته والهيمنة على مقدراتها وشعوبها.

ومن هنا عقد المتآمرون العزم على ضرورة توجيه الضربة القاتلة للمسلمين، وذلك بالقضاء على دولة الخلافة. ولكي يتحقق هذا الهدف لابد من طريقة بعيدة عن الحرب الصريحة مباشرة.

تمثلت تلك الطريقة في محورين: أما الأول فكان يخص الجانب التركي، وتم تكليف كمال أتاتورك بالقيام بمهمة الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني، وقد كان في مارس (آذار) 1909. وأما الثاني فكان يخص الجانب العربي، وقد وقع الاختيار على الشريف حسين حاكم مكة، وقد قام هنري ماكماهون نائب ملك بريطانيا بالتواصل معه في الفترة من يوليو (تموز) 1915 حتى مارس 1916، واتفقا على أن يشن الشريف حسين الحرب على الدولة العثمانية في مقابل أن يصبح خليفة عربيًا على دولة عربية مستقلة عن الأتراك.

في يونيو (حزيران) 1916 اندلعت الثورة العربية الكبرى بقيادة حاكم مكة، أي بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى بعامين تقريبًا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الشريف حسين وقف ضد الدولة العثمانية، إلا أنه كان ينظر إلى الأمر نظرة عربية إسلامية، وبالطبع هذه النظرة لم يرض عنها البريطانيون، بل العكس تمامًا هو ما ينشدون، ومن ثم لم يجدوا أمامهم سوى البحث عن شريك منافس تنطبق عليه الصفات التي ينشدونها. فكان فيصل هو المنافس لأبيه الشريف حسين، ولقد نعتَ لورنس فيصل بنبي الوطنية.

انطلق فيصل ليبشر بالوطنية في كل مكان، وقد بث الحماس في بدو الصحراء، إلى جوار ذلك أخذ ينثر المال والذهب على الفقراء حتى التفوا حوله، بل أقسموا على الولاء له وللقضية العربية، فلما رأى الإنجليز استجابة لزعيمهم حركوا آلتهم الدعائية لتشد أزر فيصل وتؤيد تحركاته في كل مكان.

تأثر الناس بذلك تأثرًا شديدًا حتى تغير اعتقادهم في الجيوش الأوروبية، وها هم صاروا ينظرون إليها على أنها جيوش حلفاء وأصدقاء، لاجيوش غزاة وأعداء، في حين أن الجيوش العربية المسلمة بقيادة الشريف حسين وابنه قد انطلقت لقتال جيوش الدولة العثمانية المسلمة.

وحينما اطمأنت بريطانيا إلى أن العرب قد صدقوا وعودها بدأت سلسلة من الاتفاقات السرية مع حلفائها الغربيين. فعُقِدت معاهدة بطرسبرج بين بريطانيا وفرنسا وروسيا في مارس 1916، وقد اتفقوا على تقسيم أملاك الدولة العثمانية على الدول الثلاث، فكانت أملاك تركيا في آسيا الصغرى من نصيب روسيا، وأما سوريا ولبنان فمن نصيب فرنسا، وأما العراق وفلسطين فمن نصيب بريطانيا، واستُبعِدت الحجاز ونجد واليمن من التقسيم.

وتجدر الإشارة إلى أن بريطانيا أخفت تفاصيل تحالفها مع العرب عن حلفائها الأوربيين، وأيضًا لم تبلغ العرب بشيء عن تحالفها مع دول أوروبية.

في عام 1916 أبرَمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية (سايكس – بيكو) تدعيمًا لما اتُفِق عليه في معاهدة بطرسبرج.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام1917، وبعد أن اطمأنت بريطانيا أن الأجواء العالمية صارت مهيأة، أصدرت وعد بلفور، الذي يَعِد بإنشاء وطن لليهود على أرض فلسطين، وأبلغته سرًا إلى زعماء الصهيونية، ثم أطلعت عليه بعض الدول الغربية.

فور علمه أرسل أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع العثماني في فلسطين نسخة من وعد بلفور إلى الشريف حسين؛ حتى يتوقف عن القتال؛ فلم يلتفت، ولم يوقف الحرب، وإنما فقط استعلم عن حقيقة الوعد من الحليفة بريطانيا، والتي خدعته مرة أخرى؛ فاستمرت قوات الشريف حسين وابنه فيصل في معاركها مع القوات العثمانية على أرض الشام؛ لتُراق دماء المسلمين لصالح البريطانيين، بينما كان الجيش البريطاني يقترب من دخول القدس، بل لقد دخلت القوات البريطانية القدس بقيادة اللنبي نهاية 1917، ويومها ترجل القائد الإنجليزي قائلًا: اليوم انتهت الحروب الصليبية.

وعلى أثر نشوب الثورة الشيوعية في أكتوبر (تشرين الأول) 1917 أعلنت الحكومة السوفيتية الاتفاقات السرية التي عقدتها روسيا القيصرية مع بريطانيا وفرنسا، وذلك ما دعا العرب إلى سؤال بريطانيا عن حقيقة تلك الاتفاقات؛ فنفت بريطانيا ذلك بشدة، وكررت وعودها بنيل العرب حريتهم لتشكيل حكومات وطنية.

إعدام الشرق والطريق الثالث. أكمل ما تبقى في مقالات قادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الطريق إلى بيت المقدس للدكتور جمال عبدالهادي.
تجديد الفكر القومي.. للدكتور مصطفى الفقي.
الاستعمار والصهيونية وقضية فلسطين.. لكمال الدين رفعت
عرض التعليقات
تحميل المزيد