عن الدور الذي قامت به القوات العربية في أرض الجزيرة وسوريا ضد القوات التركية، يقول الكاتب الإنجليزي فرنان وليه: (إن العرب قد أسروا 35 ألف أسير تركي، وحرروا من الأراضي ما يقارب 250 ألف كيلومتر، فغيروا بذلك مجرى التاريخ في الشرق).

إعدام الشرق والطريق الثالث.

بعد عزل السلطان عبد الحميد بقيت الخلافة واستمرت استمرارًا رمزيًا. وها هم المسلمون وغيرهم من المنتسبين زورًا إلى الإسلام قد صاروا مختلفين متصارعين يستعين بعضهم بأعدائه على البعض الآخر!

ونتيجةً لتلك الصراعات التي شهدتها الدولة العثمانية في الداخل والخارج على مدار عقود طويلة فقد فقدت ما بين عامي 1908 و1912 نحو 40% من مساحة أراضيها، وأيضًا فقدت ما يقارب من سدس سكانها، وهذه الخسائر الفادحة بلا شك قد ضربت الدولة العثمانية في مقتل؛ حيث إنها فقدت جزءً مهمًا من الواردات المادية، وآخر لا يقل أهمية، وهو المتعلق بالثروة البشرية، إضافة إلى العامل المعنوي الخطير الذي يسهم في حدوث الانهيار بالتتابع نتيجة الهزيمة النفسية.

لقد شهدت الدولة العثمانية تحولات جذرية في مناحٍ عديدة: سياسية، واقتصادية، واجتماعية؛ وذلك ما كان له أكبر الأثر على الأداء العسكري أثناء الحرب العالمية الأولى التي اندلعت نيرانها في أغسطس (آب) عام 1914، وذلك على أثر اغتيال ولي عهد النمسا وزوجته في يونيو (حزيران) من نفس العام في مدينة سراييفو عاصمة الصرب على يد بعض القوميين الطامحين في تكوين الدولة الصربية الكبرى.

بعد عملية الاغتيال تلك اجتاحت أوروبا حالة من الغليان الشديد استمرت لشهرين تقريبًا.

وإن كانت تلك الحادثة هي السبب المباشر في اندلاع الحرب، إلا أنه قد سبقتها اضطرابات في العلاقات الدولية، وأزمات استمرت بين الدول الكبرى منذ عام1904 حتى عام 1914. تلك الاضطرابات والضغائن تسببت في أن تدخل الدول الكبرى في سباق التسلح.

ومن هنا توفرت شروط اندلاع الحرب، كالأطماع التوسعية، ثم الإعداد الجيد من خلال خوض سباق التسلح، ثم ها هي الذريعة التي سوف تعلن عنها الأطرافُ المتحاربة للعالم.

وبالفعل استغلت النمسا حادث الاغتيال؛ فسارعت لتسحق عدوَّتها الصرب؛ فانقسمت الدول الكبرى ما بين مؤيدٍ للنمسا ومعارض، ولم تمضِ بضعة أسابيع حتى عمَّت التعبئة العسكرية معظم الدول الأوروبية، فمع حلول أول أغسطس1914 أعلنت فرنسا عن تعبئتها العامة، وبعد ساعة فقط من هذا الإعلان أعلنت ألمانيا عن تعبئتها، بل في مساء اليوم نفسه أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا، ثم بعد يومين أعلنت الحرب على فرنسا. فتضامنت إنجلترا مع فرنسا معلنة الحرب على ألمانيا.

وهكذا أخذت دائرة الحرب تتسع؛ حتى شملت معظم دول أوروبا التي انقسمت إلى معسكرين: المعسكر الأول كان يضم ألمانيا والنمسا، ثم من انضم إليهما بعد ذلك من دول الوسط. أما المعسكر الثاني فكان يضم فرنسا وإنجلترا وروسيا, ثم مَن انضم إليهم بعد ذلك، وهم الحلفاء.

يقول بعض المؤرخين: في تلك الأثناء لم يكن للدولة العثمانية أية مصلحة للدخول في تلك الحرب، ولقد كان أمامها خيارات ثلاثة: فإما أن تقف على الحياد. وإما أن تنضم إلى الحلفاء. وأما الخيار الثالث وهو الذي فضلته الدولة العثمانية: فكان الانضمام والتحالف مع الألمان.

وكان لهذا الخيار أسباب، منها: محاولة تعويض خسارة حرْبَيْ طرابلس في ليبيا ما بين عامي 1911 و1912، ثم ما تعرضت له من هزيمة في منطقة البلقان ما بين عامي 1912 و1913. ومن تلك الأسباب أيضًا محاولة استرداد تونس ومصر للحكم العثماني مرة أخرى، وأيضا من أهم الأسباب التي أدت إلى دخول الدولة العثمانية الحرب هي العلاقة القوية التي كانت قد نشأت بينها وبين ألمانيا.

وأقول: إن الحرب العالمية الأولى قد كشفت عن مدى الضعف والهوان الذي كان قد وصل إليه العرب والمسلمون وقتئذ. فإن كان العالم الغربي قد انقسم إلى معسكرين متحاربين، إلا أن كل معسكر كان قد استعد جيدًا لخوض تلك الحرب، من حيث العدة والعتاد والرجال الذين سعوا إلى تحقيق الأمجاد لبلادهم. أما العرب والمسلمون فلم يستطيعوا اتخاذ موقف موحد تجاه تلك الحرب.

كلا، بل لقد انقسموا فيما بينهم بحسب الانقسام الذي شهده العالم وقتئذ كنتيجة استعمارية. ولا شك، فتلك مصيبة لها مقدماتها وأسبابها. ففي الوقت الذي تحالف فيه الأتراك مع الألمان، كانت النزعات القومية والرغبة في التحرر من الحكم التركي قد استشرت في جسد وعقل بعض أو معظم الأقطار العربية، وتلك النزعات والرغبات أيضًا كانت قد استشرت في الداخل التركي بهدف القضاء على منظومة حكم دولة الخلافة والدَّمْدَمة على عالمها المزدهر الذي خضع له العالم يومًا ما؛ لذلك كان للتحالفات المتضادة ظاهر يبرِّرها من باب تحقيق المصالح الضيقة.

وهذه نظرة سريعة على الحالة العربية خلال الحرب العالمية الأولى.

ما بين عامي 1914 و1918 أُرسِل إلى فرنسا قرابة 450 ألف عامل مُصَنِّع كان أغلبهم من شمال أفريقيا الفرنسي، فتونس وحدها فقط قد أرسلت 80 ألف فرد إلى الجيش الفرنسي، وتكبدت على الجبهة الغربية خسائر في الأرواح تزيد على 20 ألف فرد، بينما كان هناك 30 ألف تونسي آخرون يعملون في مناجم ومصانع ومزارع فرنسا، وهذا ما ساعد على تفرُّغ العمال الفرنسيين وانضمامهم إلى صفوف الجيش الفرنسي. وأما ليبيا فقد كانت تحت الاحتلال الإيطالي بعد هزيمة الجيش العثماني عام 1912.

وأما مصر فقد كانت تمثل أحد أهم المراكز الاستراتيجية لدولة إنجلترا التي كانت تحتلها وقتئذ، فمن مصر كانت تُبحِر السفن البريطانية متجهة إلى جدة والعقبة محملةً بالإمدادات والمعونات للقوات العربية التي كانت تحارب القوات التركية على أرض الجزيرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن القوات المصرية التي شاركت في الحرب ضد الأتراك على أرض الجزيرة إلى جانب القوات العربية كانت متعاطفة جدًا مع القوات التركية، وهذا ما ذكره توماس إدوارد لورنس في كتاب أعمدة الحكمة السبعة. ومن مصر أيضًا انطلقت القوات البريطانية لقتال القوات العثمانية في فلسطين، ولقد لاقت بريطانيا هزيمتين متتاليتين في معركتي غزة الأولى والثانية في مارس (آذار) وأبريل (نيسان) عام 1917 بقيادة البريطاني الجنرال موراي، وذلك ما دعا بريطانيا إلى عملية إعادة تنظيم عسكرية شاملة وتجديد للهجوم؛ وذلك ما أسفر عن الاستيلاء على القدس في ديسمبر (كانون الأول) 1917 بقيادة الجنرال اللنبي.

وأما في بلاد الرافدين فقد مُنِيَت القوات البريطانية بهزيمة نكراء في قطيسفون وكوت العمارة ما بين عامي 1915 و1916 وقد ساعدت عملية التجديد والتنظيم العسكري التي أجرتها بريطانيا في الاستيلاء على بغداد في مارس 1917.

وأما في الجزيرة العربية فقد اندلعت الثورة ضد الأتراك المتحالفين مع الألمان في يونيو 1916 بقيادة الشريف حسين حاكم مكة وابنه الشريف فيصل بن حسين، وذلك على وعد من بريطانيا بأن يحكم العرب أنفسهم بعد الخلاص من حكم الأتراك، ولقد نجحت الثورة العربية نجاحًا مذهلًا، وامتدت حتى دخلت قوات فيصل إلى سوريا في خريف 1918.

لقد حقق العرب رغبة بريطانيا وحلفائها، وما كانت وعود بريطانيا للعرب إلا خداعا ليحاربوا عنها بالإنابة. وقد عبر عن ذلك رئيس الأركان الإمبريالية العامة السير هنري ولسون بقوله (إننا قطعنا على أنفسنا كثيرًا من العهود للجميع لدرجة أنني لا أعرف كيف لنا أن ننقذ أنفسنا من هذه الفوضى، دون أن نخلف عهدنا مع أحدهم). وأيضًا قال لورنس عن تلك الوعود: (إن كل ما بذله الحلفاء للعرب من وعود قد تبخر بتأثير مطامع إنجلترا في بترول العراق، وتحت تأثير سياسة فرنسا الاستعمارية).

في مارس 1916 بدأت بريطانيا في عقد سلسلة من الاتفاقات السرية مع حلفائها الغربيين. فعُقِدت معاهدة بطرسبرج بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، وقد اتفقوا على تقسيم أملاك الدولة العثمانية على الدول الثلاث، فكانت أملاك تركيا في آسيا الصغرى من نصيب روسيا، وأما سوريا ولبنان فمن نصيب فرنسا، وأما العراق وفلسطين فمن نصيب بريطانيا.

في عام 1916 أبرَمت بريطانيا وفرنسا اتفاقية سايكس – بيكو تدعيما لما اتُفِق عليه في معاهدة بطرسبرج.

في بداية عام 1918 ساءت الأوضاع داخل ألمانيا؛ إذْ ثارت الأحزاب المعارضة للحرب مستغلة حالة المجاعة التي انتشرت في أوساط الشعب الألماني حتى وصل الأمر إلى المطالبة باستقالة الإمبراطور غليوم، ومن ثم بدأت الانكسارات المعنوية تتوالى على الألمان على الجبهات الغربية، ولقد تضاعف ذلك بعد أن تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا ضدها، فأرسلت جيوشها إلى أوروبا لمؤازرة فرنسا وإنجلترا، ولقد اجتاحت المظاهرات العنيفة شوارع ألمانيا مطالبةً بسرعة إنهاء الحرب. وأما في آسيا الوسطى ومناطق الأناضول فقد سادت الفوضى التي نشرها الفارِّون من الجيش التركي.

ولقد وضعت الحرب أوزارها في عام 1918 بهزيمة معسكر الوسط وانتصار معسكر الحلفاء.

وهكذا شهدت منطقة الشرق الأوسط بأسرها صراع المصالح ما بين الدول الكبرى. ولقد عانى العرب أشد المعاناة من آثار تلك الحرب، فلقد ضربت المجاعات الكثير من الأقطار العربية، كالعراق وسوريا ولبنان وغيرها، ولقد راح الآلاف ضحية تلك المجاعات والصراعات.

وبعد هذا الذي كان، أقول: إن العالم العربي الإسلامي كان ضحية مؤامرات رهيبة حاكها ضده العالم الغربي بأسره للخلاص من قوته وهيمنته، مستخدمًا في ذلك كل أسلحته، ولقد وصل الأمر إلى استخدام المسلمين أنفسهم في القضاء على أنفسهم، ولقد نجحت تلك المؤامرات في تمزيق نسيج وحدة المسلمين وتفكيك دولتهم، ومنذ تلك الحقبة التاريخية الصعبة، لم يعد العالم العربي الإسلامي على قلب رجل واحد، بل لقد دبَّ الخلاف والصراع الداخلي داخل كل قطرٍ من الأقطار، فما عاد في الأمة قطر واحد على قلب رجل واحد، ولازال ذلك كذلك حتى يومنا هذا، حتى أن الجماعة الواحدة لم تنجُ من هذا المصير. ولن تعود الأمة إلى وضعها الذي كانت عليه من حيث القوة والهيمنة إلا بالقادة العظام وبالرجال التوِّاقين إلى بناء أمجاد بلادهم.

إعدام الشرق والطريق الثالث. أُكمِل ما تبقى في كتابات قادمة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط - كريستيان كوتس أولريخسن
القضية العربية في الحرب العالمية الأولى - توفيق برو
الطريق إلى بيت المقدس - الدكتور جمال عبدالهادي
أعمدة الحكمة السبعة - توماس إدوارد لورنس
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!