أربعون عامًا تحت شدة وطأة ظلم آلِ الأسد و جور جهلهم على خيرة العقول والعلماء والمفكرين، فضلاً عن أبناء الشعب عامة، كانت كافية، وزيادة، لتكون الفتيل الذي قدح نار الثورة السورية. وإن كانت الكلمة قبل الثورة سُمح لها أن تُكتب بقَدَرٍ معين ولغايةٍ ما، يريدها المستبد، إلا أنها بعد الثورة نالتها يد الوأد من الوطن، ولئن سألتها بأي ذنبٍ قُتلت أو نُفيت، أجابك نورها الكاشف لطغيان كل مستبد، وصوتها الهادر بالحق مزلزلاً عروش الطغاة.

«لو كان الاستبداد رجلا وأراد أن ينتسب لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمي الضر وخالي الذل، وابني الفقر وابنتي البطالة، ووطني الخراب وعشيرتي الجهالة. ومن أقبح أنواع الاستبداد استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل» فإنما يطيل عمر المستبد ويغذي بقاءه استشراء حالة الجهل واللاوعي بين أبناء شعبه، لذلك هو يخشى نورَ الكلمة الواعية ويحارب قائلها، فكانت سياسته على مر السنوات الاعتقال التعسفي، أو القتل غدرًا، أو النفي خارج الوطن وكان ممن طالت حياته قساوة النفي الدكتور علاء الدين آل رشي.

وُلد الدكتور آل رشي في دمشق، وهو ينتمي إلى أسرة دمشقية من أصول كردية، عُرف كاتبًا نخبويًا، كلماته قبس من نور العقل يصطلي بها كل محب للمعرفة، يجتمع في كتاباته السهل الممتنع وذلك بتجلي العمق والدقة في أسلوبه، نُفي عن شامه في بداية أحداث الثورة، ورغم كل المعاناة والعنت الذي لاقاه ظل وفيًا للكلمة في سبيل الإصلاح. نال درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية قسم التاريخ والفكر الإسلامي من جامعة أريس الدولية في تركيا.

وعلى مر التاريخ، لربما كان من الطبيعي لكاتب تجديدي جريء القلم ولمفكر مثله وسطي المنهج معتدل، بعيدة كلماته عن التقليد والاستنساخ، جريء في طرح الجديد والاستنتاج بما يتوافق مع أسس شرعية وفق رؤية عصرية مقاصدها خدمة الإنسان ونفعه، من الطبيعي أن يكون قاضًا لمضاجع المستبدين ليكون نفيه أخف الضررين عليهم «أو كما توهموا» إلا أن إخلاصه لقضيته ووفاءه للكلمة واستمراره على هذا النهج تحت ضغوط وحصار الاغتراب هو ما كان مثيرًا وملاحَظًا بوضوح من خلال زيادة نشاطه في منفاه وثباته على مبادئه.

ولأنه إنسان متصالح مع ذاته يعرف عن نفسه بأنه مواطن عالمي متسامح، موطنه كرامته، ينشر الحرف وينبذ العنف ولأنه يؤمن بالله ومن ثم بالإنسان أولًا قام بتأسيس المركز التعليمي لحقوق الإنسان، في منفاه في ألمانيا، إيمانًا منه بالحريات العامة وبقداسة الإنسان، وشهد المركز الذي تم تأسيسه بجهد ذاتي نشاطات عديدة وفعاليات هادفة إلى لمّ الشتات السوري بكل ألوانه وأطيافه في الخارج: من وقفات تضامنية مع السوريين في الداخل، ومساعدات للاجئين في أمورهم في الخارج، وإقامة ندوات فكرية ثقافية تعكس مدى الثراء الذي يتمتع به المركز من خلال جمعه طوائف المجتمع المختلفة من الأيزيديين والعلويين وقبوله الاختلاف مع الآخر من دون المس بكرامته لإيمانه بأن الاختلاف ثراء للمجتمع فهو القائل «ليس من الإسلام ولا من العقل أن نسعى لإلغاء الناس، ولن تكون أمجاد السماء بقتل من نختلف معهم عقائديًا.. وحقوق الإنسان ليست جزءًا يتجزأ من جماعة معينة إنما هي حقٌ مفروض لكل البشر بكل تلوناتهم ومعتقداتهم».

فهو ابن سورية التي تميزت باحتضانها بسلام لطوائف مختلفة على مر الزمن، لذا كان موقفه المناصر للثورة وما تلاها من فتن وأحداث وسط نزيف شلال الدم والدمار فيها، المجابهة والمواجهة وليس الصمت والانسحاب والانعزال، فهو يرى أن الفتن تقاوم بالمناعة لا بالهروب وأول المناعة أن أعرف من الظالم فلا أنصره ومن المظلوم فأقف معه، والأمية الحقيقية عنده هي فقدان الحكمة، وكل واحد منا مشروع نصر أو هزيمة فقيمتك في فكرتك وقدرك في استقامة طريقتك.

وفي حين رأى آل رشي نجاح النظام في خلق عداوات وتخوينات بينية من حيث أن الدروز عملاء والسنة متطرفون والعلويون خدم للقتل والكورد لقضيتهم والمسيحيون يشاهدون والعرب يشتمون، يرى أيضًا أن كل من يفكر بهذه الطريقة العدائية هو من النظام حتى وإن رفع راية الثورة لذلك يقول: «لم أكن يوما جزءًا من أي حزب قومي أو ديني وأنا ضد أي حزب كوردي (ب ك ك) وغيره، وعربي (بعثي) وغيره، وديني (بغض النظر عن رايته) إذا كانت شعاراته القومية أو الدينية تحرض على القتل والتصفية والعداوات البينية، وهو يرى داعش سكينًا تذبح الإسلام وغير المسلمين وقد أتت من رحم الأزمة الدستورية المتفاقمة فنحن بلا حكم منتخب منذ قرون، ومن الوهن الثقافي الذي غذي من الطواغيت بفعل القهر، ومن التواطؤ العالمي ومن جهل الناس بدينهم، يرى أن الرد الأنسب على داعش بمزيد من الحريات والديمقراطية وتعليم الناس معنى الإسلام القائم في علاقته مع الآخر على المسالمة واللاإكراه».

ويرى أن أزمتنا ثقافية دستورية بامتياز والإسلام جزء من الحل: «الدين إذا تحول إلى دكان رأيت عالم الدين أشد كفرًا من الشيطان، نحن نحب الإسلام كضوء الصبح يلقاه الضائع فيستبين الدرب، ونهوى الإسلام كقيم فاعلة، ولكننا نعترف أن الوثن السياسي ضرب الدين مرات ومرات فركّع أهله وصادر الدين وأمّم مؤسساته، وليت الإخوة الذين يعيبون على الإسلام أن يتذكروا أن المسألة الثقافية تم تحريفها حسب مزاج السلطان، وكي نكافح التطرف في سوريا لابد من المزيد من التعليم الشرعي والتعريف بالإسلام، لن نخدم الإسلام إن قاربناه بما ليس منه، الإسلام هو قيم محركة ثابتة مرنة وبعيدة عن التعقيد، كل ما ينفع يؤكده الإسلام ولكن من دون أن يكون جزءًا منه، لا تقحموا الإسلام في غير مجالاته، لا تضعوه بدروشتكم في محنة، الإسلام ليس حلًا سحريًا بل دين يحتاج إلى بيئة ناضجة نظيفة كي ينمو.. ولأني سني فأنا أؤمن أن الدين عدل وأن الظلم كفر».

ويرى أن بداية الحل للأزمة السورية في الوحدة وتحمل المسؤولية الفردية بابتداء العمل الجدي الحثيث، والإصلاح السياسي للسلطة الحاكمة.

«المعركة الحقيقية الآن تصب كيف نحقق قول الله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا. إذا لم نتوحد فلا عزة لنا وإذا لم نكن على قدر معنى الثورة والتي تعني النبل والانضباط الفكري والأخلاقي فلسوف يطول مشوارنا، ويسقط بشار الكيماوي بمقدار ثباتنا على قيم العدل والخير والحرية.. وفريضة إسقاط النظام تبدأ بمحاربة النظام من خلال مد جسور التراحم والتكافل والتعاون بين السوريين في المهجر أو في الداخل. كفانا خطابات عنصرية وكفانا خطابات قومية وكفانا مذهبية لنعمل لوحدة سورية، منطقي واحد ودافعي واحد: التوفيق ولغة التصالح بغية رص الصفوف نحو إسقاط الوريث القاتل».

يتميز الدكتور آل رشي في كتاباته ومنهجه وتعامله مع من حوله باعتداله وفكره الوسطي وإيمانه بالمواطنة وبقداسة الدم الإنساني لديه، والالتقاء مع غيره ضمن نقاط فكرية توافقية مشتركة وصيغة سلمية في التعامل، فخلاصة فكره المتميز ببصمته التجديدية الخاصة به تخرجت من مدرسة أعلامها الغزالي والكواكبي وحسن البنا و القرضاوي و المسيري وعبد الله دراز وعلي شريعتي وعلي عزت بيجوفيتش ومصطفى السباعي وابن تيمية وأبي بلال عبد الله الحامد وعبد الرزاق الحلبي وسيد قطب وغيرهم… كما يعد نفسه تلميذًا من تلاميذ الشيخ الأستاذ معاذ الخطيب الذي يلمس فيه العمل بإيمان وصدق لوطنه ولو كره المتنطعون والطغاة فيقول: «أعتز أني تلميذ للشيخ معاذ الخطيب الذي علمني أن أقف على مساحة من الجميع وأن الإسلام أكبر من أي راية رفعت باسمه وأن أسهل الطرق لضربك هو محاصرتك في جماعة ما».

أما نشاطه الثقافي ونتاجه الفكري، عُرف ناشرًا تجديديًا جريئًا، فبالرغم من تعرضه لأزمات متكررة تتمثل في إغلاق دار النشر من قبل السلطات منذ بدأ في دمشق بدار الراية للنشر ثم مركز الناقد، إلا أن إيمانه بقوة الكلمة كسلاح فعال في مواجهة الظلم ونشر القيم والارتقاء بالفكر الإنساني، كان وقودًا دافعًا له بهمة لا تعرف اليأس والعجز فقد بدأ قطف ثماره في منفاه بعد تأسيسه لأكاديمية العلم والسلم دارًا للنشر تؤمن أن المسافة بين لحظة الميلاد ولحظة الممات تحددها كلمة الحرية، فيقول عن كتاباته حين ينشر أفكاره من خلال الحرف:

«عندما أكتب أضع رضا الله أولًا ومن ثم التحري عن الحق واحترام العقول، ثم أثق بقدرة الإنسان على التفريق بين الخطأ والصواب، لست أضيق بمن ينقد، لكني أشعر بألم ممن ينقص، أو يقرص، أو ينتقص، أو يدخل إلى النوايا.

الأفكار تفقد قيمتها وتموت عند التقديس وعند التدنيس وخير ما يحيي الأفكار هو النقد والتدريس.

ومما تعلمته في مهنة النشر أن الأكثر شهرة ليس الأعمق فكرًا، وأن الأكثر مبيعًا ليس الأدق فكرًا، فالعلم روح تنفخ لا مسائل تنسخ ومشكلتنا اليوم النسخ الدقيق وليس الفهم العميق».

لذلك تعد مؤلفات آل رشي نوعية وليست كمية تتجه إلى مجال الوعي ونقل الفكر من الاستنساخ الدقيق إلى الاستنتاج العميق، فالمفكر الحق من ينشغل في أزماته في التعلم والتعليم وليس في مهاجمة سواه فلم تزده شتائم سواه إلا إصرارًا على نفعهم لأنه يدور مع الحق لا مع ردود أفعال الناس، فقوته نابعة من مركب الفكر عنده لا من مركب الانفعال في ذاته.

ومن أفكاره التي ينادي بها أيضًا:

أ- بإنسانية التدين و بحرمانية مس أي لون أو طيف في المجتمع بأذى

ب- ويفسر سر تأخر العرب والمسلمين لقعودهم عن فهم سنن النهوض وتحويل الدين إلى دكان.

ج- ويدعو إلى تأسيس جبهة موحدة بين الحاكم والمحكوم في البلاد العربية منعًا لأي اختراق خارجي.

ولا يغيب عن ابن مدينة الياسمين معنى الحب في حياته فيقول: «عندما أكد الإسلام على معنى الحب بالالتزام، فإنه بذلك أراد أن يكون الحب مواقف لا مجرد عواطف».

وهو ما ترجمه عمليًا من خلال استمرار نشاطه في منفاه وتواصله برحم الإنسانية الخلاقة للرقي مع شتى الطوائف معتبرًا قلبه وطنًا لكل أعراق بلده فيقول:

«خذ نصيبك من الحياة وتذكر أننا ولدنا لنحب حتى وإن غاب عنا هذا الحب، سوف تعود إلى من أوجدك، ابحث عن الحقيقة في إطار الحكمة، وارتق بإنسانيتك، فأنت بالروح لا بالجسم إنسان».

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد