الشر موجود، وهذا قد يدل على أن الخالق ظالم، وليس أنه غير موجود؛ كمثال أن تكون هناك حكومة صالحة ويوتيوبية، لكن بالرغم من ذلك يوجد هناك مجرمون يعيشون في الدولة، فمن العته أن تستنتج أن الحكومة غير موجودة لأنه يوجد مجرمين، بل الأقرب إلى المنطق أن تقول إن الحكومة تتغاضى عن المجرمين إذن فهي ليست صالحة، أو هي مقصرة في عملها ولم تستطع التحكم في شؤون الدولة، فأدى هذا إلى الانفلات.

ومن هذا وقبل أن تذهب تاليًا إلى ادعاء أن الخالق لم يستطع التحكم في خلقه، وأنه ضعيف وغير قادر نتيجة لأن الخلق أقوى منه كإبليس مثلًا، الذي لم يستطع أن يمنعه من فعل الأمور الشريرة التي تتحدث بها الأديان، من وسوسة وكيد، قبل كل هذا يجب أن تعلم مبدئيًّا أنه لا يوجد مؤمن سيدعي أن وجودنا في الأرض يحقق منتهى العدل الإلهي، بل إن العكس هو الصحيح؛ إذ إن مقتضى الاختبار الذي نخوضه نحن هنا، يجب أن يوجد فيه شر حتى نمنعه ونجاهد لدحضه؛ فيجزى القائمون بذلك عليه.

أي ما فائدة أن تولد في جنة إلهية، أين سيكون الاختبار فيها من الأساس؟

إذن فقد وصلنا إلى نتيجة أن وجود الشر قضية نفسية ثم سلوكية بحتة، وليست قضية وجودية لتدل بها على عدم وجود خالق. إذا فلدينا إله ظالم، وليس غير موجود.

ورؤيتنا نحن المسلمين في هذه المسألة أنه بالفعل كان يمكن لله أن يظلم خلقه – أكيد لا حرج عليه في ذلك بما أنه واجد هذا الوجود – ولكنه حرمه على نفسه، حين قال في الحديث القدسي عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما يرويه عن ربه، عز وجل، أنه قال :«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». رواه مسلم.

ثم إن العدل ذلك بصفته أنه إذا تحقق سيلغي أي شر حاصل، ذلك العدل الذي تبحث عنه لن يوجد إلا يوم توضع الموازين يوم القيامة، وفقط عندها سيتحقق العدل مئة في المئة وألف في الألف.

إذن فلا تفرض علينا –  كمؤمنين-التصورات التي تضعها أنت لما يجب أن تكون عليه الأمور، ثم إذا خالفها الواقع تحججت علينا بذلك.

وأخيرًا فمن الأكيد أنه لن يختلف اثنان على أننا نحن البشر من نفعل الشر؛ نحن من يقتلنا، ونحن من يسرقنا، ونحن من يقهر بعضنا بعضًا آخر، إذن فالسؤال «لماذا خلق الله الشر؟» ليس صحيحًا، بل السؤال هو لماذا لا يمنعه؟ لماذا لا يمنع شخصًا من اغتصاب امرأة مثلًا، وهنا بالإضافة لما قلنا سابقًا أن العدل والقصاص من الجاني على المجني عليه سيكون إلى وقت مؤجل وأرض غير هذه الأرض، فإنه بتحليل فكرة السؤال ستصبح هي أن الله قد يكون ارتكب خطأ – تعالى الله عن ذلك – بمنح البشر الحرية والإرادة لفعل ما يفعلونه.

وهنا مربط الفرس وأول المشكلة، أمن المطلوب من الله ان ينزع الحرية التي أعطاها لنا كبشر حتى يحقق مبدأ العدل؟ لنصبح ملائكة فيختفي بذلك البشر! ألا يعني هذا أننا كبشر لم نستحق وجودنا في هذا الوجود، لأننا نمتلك حرية قد نستعملها في الشر؟

إذن فنحن لا نلعب إلا دور الضحية هنا بإلصاق كل سوء فينا على من؟ على الخالق! لتجنب المسؤولية وإراحة الضمير أن المسؤول الوحيد عن الفعل السيئ هو الشخص الفاعل له فقط، وأنه يجب أن يتحمل تبعاته بطريقة أو بأخرى، عاجلًا أم آجلًا.

نهاية الحديث القدسي السابق تقول: «… إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرًا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». رواه مسلم.

كلمة أخيرة، وقبل أن تتبجح بالحرية للمثليين مثلًا، تأكد أولًا أنك لم تستعملها في فعل الشر على أخوك في الإنسانية ولكل ما يحيط بك؛ حتى لا تفقد أنت قيمة وجودك من الأساس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد