بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لعام ألفين وواحد، بدأت الشائعات تتردد حول احتمالية مهاجمة أمريكا لمصر، الأمر الذي تسبب في إدخال السرور على قلوب أطفال المدارس آنذاك، لأنهم أخبرونا بأننا حينها لن نقدر على الذهاب إلى المدرسة!

أوشكت على الخلاص من ذلك الهم الثقيل، ولم أكترث، أو في الحقيقة لم أعِ أننا بذلك مُعرضون للموت كضحايا حرب ناسفة كما أخبروني، حيث أخبرتهم بأنه لا بأس طالما لن أستيقظ مبكرًا مرة أخرى، ليمر الزمن وأعي أن الموت لا صحوة فيه باكرًا أو متأخرًا.

ماذا لو شنت أمريكا الحرب على مصر بالفعل؟ ماذا لو وقعتُ ضحية حرب؟ وماذا لو كان انتهى بي المطاف وقتها، واكتفيت بهذا القدر من الحياة؟

في كل يوم يمر، تُمنح فرصة أخرى للعيش وربما حياة وأقدار أخرى، لتصبح عُرضةً للسؤال الدائم المتكرر «ماذا سأسجل اليوم في تاريخي وكتابي؟».

كغيري من المسلمين الكُثر، وُلدت مسلمًا؛ فأصبحت مسلمًا! ماذا لو كنت مسيحيًا، يهوديًا؟! ماذا لا هذا ولا ذاك، وكنت ملحدًا؟! ماذا فعلت لأكون مسلمًا؟ ماذا فعل آبائي ليكونوا مسلمين؟! هل كان عليَ أن أبحث عندما بلغت ونضجت فربما كنت أحيد عن ديانتي، عن دنياي، وربما عن ماهيتي! هل كان عليَ أن أفكر لماذا خلقني الله؟ والأخص، لماذا خلقني مسلمًا.

كنت أتعجب من هؤلاء الذين لم يُثِرهم الفضول لمعرفة ماهية الأسباب التي جعلتهم على هذا النحو من حيث الديانة أو الفكر أو التكوين، والأمر غير أنه يحمل في طياته أمرًا دينيًا، إلا أنه – في اعتقادي – يحمل أكثر مضمونًا إنسانيًا أو ربما دليلًا على الوجود!

فكرت كثيرًا ماذا لو كنت ملحدًا! ماذا لو أنني ما استطعت أن أُقنع عقلي وقلبي بالإسلام كما لم يستطع الكثيرون؟

وبعد أن اقتنعت، ماذا فعلت؟! ماذا أخذت من خطوات تقربني من أن أكون مسلمًا صحيحًا؟!

………………………………………………….

«ليس كل ما يتمناه المرء يدركه».

ماذا لو أدرك المرء كل ما يتمنى؟ دومًا؟! ماذا عساه يفعل؟ هل كانت المعاناة في عدم إدراكه أم عدم استحقاقه لما يتمنى؟

وهل كل ما لم يدركه المرء، لم يكن أحق به؟

نعيش لنتمنى أشياء أو أشخاصًا، لنجدنا أدركنا أشياء أخرى وأصبحنا برفقة آخرين!

رُبَ قدرٍ خيرٌ من ألف اختيار!

 ماذا لو كان الإنسان دومًا مخيرًا؟ وماذا لو كان دومًا مسيرًا؟ ماذا لو أن كل ما يُقدم المرء على اختياره، كان صائبًا؟ ماذا لو أسلم المرء لكل أقداره؟

الكثير والكثير من الـ«ماذا لو» حول هذا النطاق، وربما القليل من الأجوبة وخاصةً المُقنع منها!

ماذا لو لم يرسم لي القدر أن أقابل كل هؤلاء ممن وضعهم في طريقي؟ ماذا لو لم أُصادف صديقي الذي افترقنا سويًا لأنه اكتفى من صداقتنا؟

وماذا لو لم أصادف أصدقائي الذين أكملوا معي ليومي هذا؟ ماذا كانت تعني الناس في الطريق؟ وماذا كان القدر يريد من مصادفتهم واللقاء بكل شخص منهم؟ ماذا حتى كان يعني حين ألتقي بأشخاص رأيتهم للحظات، واختفوا؟ وآخرين لم يشأ أن نكمل سويًا؟ ماذا كان الكنز في الرحلة؟ هل كان الناس؟ أم نهاية الرحلة؟ أم الرحلة ذاتها؟

ماذا كان القدر يريد حين صادفت الفتاة ذات السنوات الخمس والتي كانت ترتدي معطفًا قيَمًا، لأراها تنظر إلى أخرى ترتدي ثوبًا مهلهلًا لا تتوقف عن الدوران به بكل فرح وسرور؟

ماذا لو أن أم الفتاة ذات المعطف القيَم أدركت ما تفتقده طفلتها؟ وماذا لو أن الفتاة ذات الثوب المهلهل أدركت أن الطفلة الأخرى تفتقد أن تكون مثلها في شعورها بالفرح والحرية؟

فكرتُ في هذه الليلة أنه يتوجب عليَ شُكر القدر والصدفة التي جعلتني أتيقَن بأننا وبكل أسف، مفتقدون!

ماذا لو آمنا لما نخشى؟ ماذا لو لم يكن للخوف مُتَسلَل إلى قلوبنا؟ وماذا لو لم يكن لدينا أسلحة مضادة له؟ ماذا لو أن كل مظاهر الظلم والقهر اختفت؟ ماذا لو أنها لم تكن موجودة؟ ماذا لو أنني ظلمت شخصًا ما بالسابق؟ وماذا لو أنني لم أكن أعلم أنني ظلمته؟

ماذا لو أدرك من ظلمني يومًا ما، أنه كما أدانني، سوف يُدان؟ ماذا لو أنني لم أكن جزءًا من هذا العالم؟ ماذا لو لم يكن العالم بكل أسره، جزءًا من معاناتي؟ ماذا لو أنني أصبحت شخصًا غير الذي كنت عليه بالسابق؟ وماذا لو لم أكن ما أبدو عليه؟ وماذا أكون؟

صدقني يا عزيزي، لم أُرد لعقلي أن يكون ممتلئًا بكل هذه الـ«ماذا لو» ولا أن أُصنَف على أنني صاحب تلك الأسئلة الوجودية، ولكن لتعلم، أنهم أخبروني أن السؤال بداية الطريق للمعرفة، فإما وجدت الطريق أو كان وأضعته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد