بعد شهور من التوتر في العلاقات العراقية التركية على خلفية تواجد القوات التركية في معسكر بعشيقة قرب مدينة الموصل، جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم لتطوي صفحة الخلافات بوعود تركية بسحب قواتها تزامنًا مع تحرير مدينة الموصل العراقية، وهو ما وصفه الخبراء بـ«الخروج المُشرف»، في الوقت الذي تعهدت فيه الحكومة العراقية بمنع نشاطات حزب العمال الكردستاني وعدم إشراك قوات الحشد الشعبي في اقتحام منطقة تلعفر التي تسكنها غالبية تركمانية .

ويمكن للتقرير أن يلقي الضوء على أهمية الموقع الذي ترتكز فيه القوات التركية وخلفية التوتر الناجم عن تمركز هذه القوات وصولًا للاتفاق التاريخي كما وصفه الخبراء لطي صفحة الخلافات وفتح صفحة جديدة من التعاون والتنسيق الأمني.

معسكر بعشيقة

يعود اسم «بعشيقة» أو «بحشيقة» إلى كلمتي «بيث» و«شحيقي» وتعني بيت المنكوبين أو بيت المسحوقين، وهي ناحية تابعة لقضاء الموصل بمحافظة نينوى شمالي العراقي، ومن أشهر المناطق الزراعية حيث تشتهر بزراعة الزيتون.

تأتي الأهمية الاستراتيجية لناحية بعشيقة بفضل وجود ثلاثة جبال، هي: بعشيقة ومقلوب ومغارة، كما تطل على الجهة الشمالية الشرقية لمدينة الموصل وعلى قضاء تلكيف ومنطقة الشلالات، شمال الموصل، وأيضًا على منطقة علي رش التابعة لناحية برطلة شمال شرقي الموصل، وتقوم بدور الفاصل الاستراتيجي بين إقليم كردستان من جهة محافظة دهوك وبين المناطق ذات الأغلبية السنية بالعراق .

تعد بعشيقة من أقرب المناطق الحدودية العراقية مع تركيا التي لا تبعد عنها سوى أقل من مئة كيلومتر، يقطعها طريق بري يعود إلى 3 عقود يربط المنطقة بمعبر إبراهيم الخليل الحدودي بين العراق وتركيا، ويمكن للقوات التركية الوصول إليها بسهولة دون أن تتعرض لأية مخاطر من خلال العبور بجنوب مدينة دهوك، وصولًا إلى منطقة بعشيقة.

يبلغ تعداد سكان بعشيقة أكثر من 70 ألف نسمة، معظم سكانها من الإيزيديين ويسكنها أيضًا نسبة من ذوي الديانات الأخرى من مسلمين ومسيحيين والشبك، ويتحدث معظم سكان البلدة اللغة العربية، بالإضافة إلى السريانية والكردية والتركمانية.

جدير بالذكر أن تنظيم داعش المُسلح كان قد اجتاح ناحية بعشيقة وما يتبعها من قرى فضلًا عن مدينة الموصل في يونيو 2014، وهو ما اضطر أغلب قاطنيها من الإيزيديين والمسيحيين وبعض الأكراد إلى النزوح إلى محافظة دهوك في كردستان العراق.

ومن جانبها، قامت تركيا بإرسال قواتها إلى ناحية بعشيقة في إطار عمليات تدريب ودعم لقوات البيشمركة المتواجدة هناك، معلنة أن إرسال تلك القوات تم بعلم من الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، لتنفي بغداد هذا الأمر وتدعوها لسحب قواتها واحترام سيادة العراق، ولكن دون استجابة من الجانب التركي الذي أصر على بقاء قواته لحين تحرير مدينة الموصل ومنع تسلل الإرهابيين لحدودها.

 

توتر العلاقات

ومع بداية عام 2015، تحولت ناحية بعشيقة لبؤرة خلاف بين تركيا والعراق فوصل الخلاف إلى حد التراشق الكلامي بين رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد أن وجود المئات من قواته في معسكر بعشيقة العراقي تم بطلب من حكومة إقليم كردستان وبموافقة بغداد، لتدريب قوات عراقية، لكن بغداد نفت حديث أردوغان وأكدت أن وجود القوات التركية على أراضيها يعد بمثابة احتلال.

وتفاقم حدة التوتر بين الجانبين مع  آخر التصريحات النارية التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: قائلًا له «اعرف حجمك أولًا»، فضلًا عن استدعاء سفراء كلا البلدين على خلفية تلك التصريحات.

ولم يقتصر الخلاف على التراشق اللفظي بين الجانبين، بل وصل إلى قيام العراق برفع رسالة احتجاج لمجلس الأمن الدولي لدفع تركيا على الانسحاب، وسط إصرار تركي للبقاء بقواتها والمشاركة في عملية تحرير الموصل ورفضها لمشاركة قوات الحشد الشعبي في معارك التحرير لا سيما قضاء تلعفر ذات الغالبية التركمانية.

جدير بالذكر أن القوات التركية المتمركزة كانت تتألف من 900 جندي و16 دبابة و20 مدرعة، إضافة إلى عربات نقل الجنود، في حين تداولت الأخبار أن عدد الجنود الأتراك في معسكر بعشيقة وصل إلى 2000 جندي.

وقبيل الاتفاق الأخير، قامت تركيا بإرسال قرابة 150 جنديًا إلى منطقة بعشيقة لاستبدال الوحدة العسكرية المُكلفة بتدريب قوات البيشمركة وبناءًا عليها تم استقدام ما بين 20 و25 دبابة إلى المنطقة خلال عملية التبديل .

خروج مُشرف

برغم من وصول الخلاف التركي العراقي إلى ذروته، جاءت زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى بغداد لتخفف من حدة التوتر وطي صفحة الخلافات وفتح صفحة جديدة من العلاقات بعد أن شهدت تأزمًا كبيرًا خلال الشهور الأخيرة من عام 2016.

وبحسب المصادر الدبلوماسية، فقد أبدى الجانب التركي مرونة كبيرة لتجاوز أزمته مع العراق، حيث اتخذ قرار الانسحاب ولكن بشكل مُشرف كما وصفه المحللون، وذلك بضمان ربط الانسحاب  بالتزامن مع تحرير مدينة الموصل العراقية من قبضة داعش، فضلًا عن تعهدات من قبل الحكومة العراقية بمنع نشاطات حزب العمال الكردستاني وعدم إشراك قوات الحشد الشعبي في اقتحام المنطقة.

وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد بين الطرفين، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم احترام بلاده لسيادة العراق وأمنه مع ضرورة استمرار التعاون والتنسيق في كافة المجالات، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي منوهًا للاتفاق مع تركيا بسحب قواتها من بعشيقة.

وجاء خلال المحادثات الثنائية التي أجراها رئيس الوزراء التركي مع نظيره العراقي حيدر العبادي يوم السبت الموافق 7 يناير، تقديم تعهدات تركية بسحب قواتها ووعود عراقية لتفعيل التعاون ووقع الطرفان اتفاق مكون من تسع نقاط تتضمن:

ــ تحقيق الأمن والاستقرار المتبادل ومكافحة الإرهاب سوية في إطار احترام سيادة ووحدة الأراضي.

ــ عدم السماح بتواجد أي منظمات إرهابية على أراضيهما وعدم القيام بأي نشاط يهدد الأمن القومي لكلا البلدين.

ــ التأكيد على أن معسكر بعشيقة معسكر عراقي.

ــ التزام تركيا ببدء خطوات انسحاب قواتها من معسكر بعشيقة.

ــ رفع مستوى التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين وإعمال المناطق المتضررة، وتفعيل الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الطرفين.

ــ  زيادة التعاون في إدارة مياه نهري دجلة والفرات والمشاريع المائية المشتركة.

ــ تأكيد تركيا وإشادتها بالانتصارات التي حققتها القوات العراقية ضمن عمليات تحرير نينوى.

ــ تأكيد الطرفان على ضرورة عمل قفزة شاملة في مجال الثقافة والسياحة لتقوية الأواصر الثقافية والاجتماعية.

ــ اتفاق الطرفان على إيجاد التفاهم في تحديد المصالح والتحديات المشتركة برؤية استراتيجية والعمل سوية من أجل أمن واستقرار المنطقة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد