فى العشرين من يناير (كانون الثاني) الجاري أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية المصرية 2018 وسط حالة من التوتر السياسى العام أحدثتها، ولا تزال، عملية اعتقال الفريق سامى عنان، رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق، والمرشح لرئاسة الجمهورية، على خلفية اتهامات كان أن وجهت إليه في بيان رسمي صدر في القاهرة باسم القيادة العامة للقوات المسلحة بالتحريض على الجيش والتزوير في محررات رسمية والتهرب من الخدمة، ويواجه على أثرها عواقب خطيرة حال تمت إدانته، وهو ما رفع من حدة النقاش حول حيادية العملية ونزاهتها، وفي هذا السياق أجدني مهتمًا بوضع عدة نقاط للنظام في محاولة لاستجلاء مستقبل الدولة المصرية، والذي يبدو على المحك في خضم تعقيدات سياساتها الداخلية، وما يراد حولها، ولها من تصورات ومآلات.

طموح السيد عنان الشخصي لرئاسة مصر قديم، ومعروف، وهو ما كان الدافع الرئيس لتصرف كاشف قام به المشير طنطاوى زمان قيامه بمهام رئاسة الدولة عقب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، حيث قام في حينه بجولة في بعض شوارع القاهرة باللباس المدني أثارت ردات فعل واسعة منتقدة كانت كفيلة بقمع طموح عنان ولو إلى حين، ولكن الفكرة يبدو أنها كانت غالبة، وهي التي دفعته لإعلان نيته الترشح لرئاسيات 2012 و2014، ولكن الظروف لم تكن مواتية، فآثر الصبر ريثما تنجلي الأمور.

منظومة الحكم المصري، والتي قادها مبارك لسنوات لازالت موالية بشكل كامل لشخصه، وهي بأشخاصها ومراكزها مسيطرة تمامًا على الفضاء العام في السياسة والإعلام والاقتصاد، وفي داخل مؤسسات الدولة وصلاتها الخارجية فعالة ومؤثرة، رغم محاولات السيسى لاحتوائها أولًا، وهو ما يفسر اصطحابه غير المعلل للمشير طنطاوي في جميع المناسبات العامة التي حضرها، وإلى وقت ليس ببعيد حاول خلالها مرارًا السيطرة عليها، ولكن يبدو أنه جانبه التوفيق في مسعاه؛ فأطلق عملًا منسقًا يرمي لخلق منظومة بديلة بمعاونة جهاز الاستخبارات الحربية، والذي ترأسه سابقًا، وهي النقطة التي افترق عندها الطرفان إلى غير وئام.

قامت تصورات منظومة الحكم المصري على مسألة مبدئية وفارقة، وهي أن التوليفة القاضية بسيطرة القوات المسلحة على زمام الأمور واحتفاظها بدور الريادة بين مؤسسات الدولة وحصة الأسد من فضائها العام بتفاصيله مع احتفاظ الدولة بواجهة مدنية لتسيير الأمور لم تزل هي الأصح، ولكن الخلاف على شخص جمال مبارك، وليس على صفته، وأعني كونه مدنيًا أم عسكريًا عطل خطط الانتقال، والتي واكبت أسباب موضوعية لتثوير الجموع ضد المنظومة القائمة؛ ما استدعى جهدًا عقليًا وعمليًا قام عليه اللواء عمر سليمان لاستغلال الأوضاع الثورية الحالة وركوبها بغرض توجيهها إلى غير ما أرادت، وعكس سيرها في اتجاه استمرار الأوضاع كما هي، وكان ما خبره الجميع من وقائع أعقبت الهبة الشعبية في 2011، وصولًا إلى اعتلاء السيسي سدة الرئاسة، وهو شخص مغمور صعد سريعًا من داخل القوات المسلحة ليحتل صدارة المشهد في وقت قياسي.

السيسي بالنسبة للمنظومة لم يكن أكثر من موظف رئاسي في مهمة بغرض الانتقال بعد سني التيه التي قاسها الشعب المصري، والتي أدخلته إليها المنظومة عن عمد بقصد إقناعه بخطأ خيار التغيير ووجاهة مبرراته وحتمية حصوله، ولكنه وعند لحظة التتويج أحس بحق شخصي في الاستمرار تلبسته فيها حالة من التوهم والإنكار ساقته لمحاولة تحدي المنظومة عبر الاتكال على بعض أجهزتها دون غيرها، ثم ضرب بعضها ببعض – مثال المخابرات الحربية والعامة لا يقبل التشكيك – وهنا جاوز السيسى محذورًا ما كان عليه تخطيه متناسيًا قاعدة مهمة في هذا السياق يصوغها القول الشعبي المصري بعبقرية: (اللي طلع الجمل النخلة قادر ينزله تاني).

في التصور الأعم للمسألة المصرية في الزمن الحاضر، فإن سامي عنان لا يعد ذا بال، لا في ذاته، ولا بما يمثله داخل القوات المسلحة – رغم أنه أصبح يساوي صفر – ولا في خارجها، ولكن فيما وصلت إليه الأمور عند نقطة عمل أطراف في الداخل والخارج لدفع الأمور نحوها دفعًا.

عدة أمور أساسية على قدر عال من الأهمية يجدر التنبه إليها في هذا السياق، أولها وأهمها أن اندلاع شرارة الاحتجاجات الشعبية ضد مبارك وزمرته فتحت الباب واسعًا إلى سقوط ليبيا وسوريا ومن ثم انخراط مصر المعلن في الجهد الذي قامت عليه السعودية في اليمن، والذي وصل لأمر مكلف ومزعج ومزيج من التعقيد والعبثية وباعتراف رسميين ومتنفذين على صلة وثيقة بنظام الحكم السعودي ومشغليه، وبالتالي فإن المرحلة الثانية من العمل المنتظر في سوريا، والمتمثلة في احتلال إسرائيل المباشر لأجزاء واسعة من سوريا، ونزول القوات التركية لاحتلال مثلث الجزيرة والبادية واشتعال حرب عالمية فعلية حقيقية على المسرح السوري واحتلال الناتو ليبيا، أو على الأقل سواحلها وتقسيم اليمن لا يمكن أن يتم دون انهيار الأوضاع في مصر، وبشكل دراماتيكي، ولكن ليس هذا كل شيء.

الجائزة الكبرى وخط المجهود الرئيس للعملية هي مصر ذاتها، وليس غيرها، وهنا لا يجب أن تكون هناك حيرة أو التباس حول مواقف جميع الأطراف، فالقاعدة تقول: (إن أكثر من يتحدثون عن المؤامرة هم المتآمرون أنفسهم).

في الثالث من سبتمبر (أيلول) للعام 1981 أمر الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات بشن حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت سياسيين من كافة الاتجاهات ورجال دين وكتاب وصحافيين وقيادات وازنة في المجتمع المصري، بعد أن وصلت توليفته الحاكمة إلى ما يطلق عليه في لعبة الدومينو (قفلة) على خلفية حالة من الانسداد السياسي والمعارضة لمسلكه في الحكم وحدت في مواجهته ألد الخصوم، وبغير ما سند من قانون وباعترافه رغم كثير قول حول سيادته مشفوعة بتحذيرات متوترة من المؤسسات، وإن طال الحديث عنها، وعن دورها في الحكم، وصولًا إلى مشهد اغتيال سياسي، نهار خارجي، كان ضحيته الرئيس المتزيي بحلة العسكر في ساعة خالها الهيمنة والحسم، وفي أرض أريد لها الاحتفال بالنصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد