منذ نعومة أظافري كان والدي يوقظني لصلاة الفجر أثناء التواشيح التي تسبق قرآن الفجر؛ كنت أستمع إلى هذه التواشيح عبر مكبرات صوت المسجد الملاصق لمنزلنا.

أحيانًا يداعب أذني صوت النقشبندي، وأحيانًا يفسح المجال لزميله نصر الدين طوبار، وأحايين أخرى بصوت مبتهلين تابعين لإذاعة القرآن الكريم؛ تلك الإذاعة التي أسرت قلوب الملايين عبر تاريخها، كانت في وقتٍ مضي ركنًا من أركان كل بيتٍ مصري؛ لا بل جزءًا من تكوين كل بيتٍ مسلم حول العالم.

كنت أتساءل مندهشًا: ما سر استحواذ هذه الإذاعة على عقول وقلوب المسلمين في كل مكان؟ ما الذي يجعلها مميزة عن أي محطة تذيع القرآن؟

لكن في كل مرة لم تكن دهشتي تلبث أن تتبدد حين أسمع المنشاوي بصوته النديّ الذي يفيض شجنًا وجمالًا، وتنبعث منه رائحة الإخلاص.

ذلك الرجل لم يكن من أولئك الذين لا يجاوز القرآن حناجرهم، هكذا أحسست من دفء صوته، ونبرة الخشوع التي لا تجد صعوبة في تبيّنها في قراءته، فضلًا عن المشهد التصويري الذي كان يصنعه للآيات بصوته العذب.

أما عن الحصري فحدِّث ولا حرج؛ الحصري.. ومن كالحصري؟

هذا الشيخ الوقور الذي قرأ القرآن كما أنزل على الرسول، ببراعة منقطعة النظير، وإتقان لم يُعرف له مثيل، وبساطة لا تعرف التكلف أو التصنّع.

من منّا أراد أن يجوِّد القرآن ولم يضبط قراءته على قراءة الحصري؟

الحصري ذو السمت الهادئ، والطيبة البادية في عينيه، كان مع ذلك صارمًا في الحق، فلم يقبل – وهو العالم بكتاب الله – أن يري ابنته تتمايل أمام الرجال كاشفة عورتها وهي تغني؛ فأعلن تبرأه منها حين نصحها، ولم تستجب.

كانت دهشتي – أيضًا – تتلاشي وأنا أسمع الشيخ محمد رفعت في السابعة صباحًا أو قبل الإفطار في رمضان، ولكن ذلك العبقري حتى الآن لا أعرف سر عبقريته وجماله وشغف الملايين به، كما عرفت سببها عند الحصري والمنشاوي.

أنا أقل من أن أتحدث عن عبقرية الشيخ رفعت، ولكن كل الذي أعرفه أنّي أعشق نبرة صوته الفريدة التي لم أسمع لها مثيلًا حتي الآن.

كذلك برامج (براعم الإيمان) و(بريد الإيمان) والآيات والابتهالات التي كانت تتخلل الفواصل التي بين البرامج وبعضها، فهذا المقطع القصير بصوت الشيخ طه الفشني، وهذه الآية بصوت الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي وهلم جرًا.

أمّا عن أكثر ما جذبني – شخصيًا – لهذه الإذاعة؛ فهي تواشيح الفجر.

كنت أستيقظ وقت السحر، فأتوضأ وأخرج للصلاة في سكينة وتؤدة.

سكونٌ مطبق، وليلٌ حالك، ونجومٌ في السماء مضيئة؛ تجمعت كلها في السماء الدنيا لتستمع لذلك الصوت الملائكي الذي ينبعث من كل المساجد، ومع كل مقطع كان يبدع فيه المبتهل، كنتُ أرى النجوم تتلألأ أكثر، كأنما تريد أن تنطق لتُصدّق على صيحات المعجبين الذين يستمعون للتواشيح في المسجد الذي ينشد فيه المبتهل، ومن فرط إعجابهم صاحوا: اللهم صل على النبي.

وكأن الكون جميعًا، والمخلوقات قاطبة، قد اتفقوا علي مكافأة المشائين في الظلَم؛ بدقائق من الجنّة يُحرم منها النائمون في تلك الساعة، فالقمر صامتٌ كأنما يستعيد صفوه، والنجوم تزيّن السماء، والطيور علي أشجارها منصتة، والديكة تتبادل الصياح بين الحين والحين معجبة بالمبتهل، ونسيمٌ لطيف لم يتلوث بعد، يحمل رائحة الزهور، يتهادى بخفة يداعب أنوف المصلين، حتى ليشعر المرء بأن سيمفونية متناغمة مكتملة أركان الجمال، لم يدرك مقطوعاتها إنسان – بنقصه – من قبل، قد تحمّل مسئولية عزفها الكون، رفقة هذا المبتهل.

لكن؛ وبعد انقضاء النصف الأول من سنة 2013، وبالتحديد بعد مجزرة رابعة العدوية، استحال كل هذا الصفاء إلى كدر، وأضحى الجمال قبحًا، وانصهر زيت تلك اللوحة البديعة واختلطت ألوانها بعضها ببعضٍ، حتى تشوّه المنظر، وتعكر صفوه.

كيف لا وقد أصبح (المغني) يغني للظالمين؟ ! يستيقظ (هذا المغني) كل فجرٍ، ليذهب إلي مسجدٍ يئن لحرق مسجد مثله في بقعة أخري، وبدلًا عن أن يحمد (المغني) ربه الذي أحياه بعد مماته، تجده يحمد الله الذي خلّص البلاد من الإرهابيين في مجزرة بكى لها الكون!

كيف تتذوق نفسي الجمال وقت السحر كذي قبل وأنا أسمعه يدعو لقائد المجزرة؟ كأنما أراد أن يحرق قلوب الأمهات الثكالي اللائي فقدن أبناءهن وأزواجهن في تلك المحرقة.

كيف أستمتع بصوته وهو الذي يذكرني كل فجرٍ بإخواني القابعين في السجون والزنازين الفردية، لا ينعمون بنفحات النسيم اللطيف البارد مثلي ومثله؛ ولكنهم يعانون لفحات البرد القارص دون غطاءٍ يكفيهم أو دفء بيتٍ يؤويهم؟

كيف للسكينة أن تتسلل إلى قلبي، وأنا أتخيل منظر أمٍ قد اختطف ابنها وأخفي قسريًا لأيامٍ وشهور؟ ! كيف لهذه الأم وقد أكل الوجع قلبها حتى يئست، ونهش الألم جسدها حتى بليت، وحاولت التناسي كيلا تذهب نفسها حسرةً على ابنها، ثم يأتي هذا الظالم ليوقظها على نعيقه يدعو لمن اختطف ابنها ويحرضه على قتله؟!

تخيّل وقع هذه التواشيح على نفس الأم التي ربما يكون ابنها يذوق العذاب ألوانًا في مثل هذه اللحظات التي لا يحلو للمجرمين التعذيب إلا فيها!

كيف لعقلي أن يقبل أيَ فنٍ وأيَ جمالٍ أصلًا مع هذا الألم اللامتناهي؟

كيف لي أن أتفاعل مع جمال الكون وبهجته ولطفه لنكوّن لوحة بديعة أخرى وقد أضحى صوت المغني لا ينفذ إلى قلبي؟

بل أين هو جمال الكون أصلًا وبهجته والظلم والطغيان يملأ ما بين السماء والأرض؟ ! القمر تكدّرت صفحته البيضاء وأصبح لونه دمويًا، النجوم قد انطفأ بريقها وزال تلألؤها كمدًا , الليل لم يعد له نفس بهاؤه ولا سكينته، والطيور قد طأطأت رأسها على الأشجار وصمّت آذانها غمًا وحزنًا، أما الديكة فلازالوا يتناوبون الصياح، ولكنه صياح ضعيف خافت منكسر، يشبه إلى حدٍ كبيرٍ صوت المنشاوي، صوت بكّاء يملؤه الشجن، تلمح في نبرته الدموع.

هل هذه هي تواشيح الفجر التي كانت تملأ الأرض نشوة وحيوية وسعادة مع كل صباح؟ أين هي التواشيح فيما يقال؟ وأين هو الفجرُ أصلًا؟

لم أكن أعرف التواشيح بكلماتها، بقدر ما كنت أعرفها من الجو المحيط بها الملازم لها والجمال الذي يكتنفها؛ وقد زال كل هذا الآن، فكيف لي أن أعرفها؟

ولم أكن أعرف الفجر بتواشيحه ولم تكن التواشيح علامته، كنت أعرفه بنسيمه الرقيق وبصياح الديكة، كنت أعرفه بحريتي المتجددة مع كل فجر يبزغ، كنت أعرفه بإخواني ورفاقي الذين ألقاهم كل يوم في هذا التوقيت، وقد زال كل هذا الآن، فكيف لي أن أعرف الفجر؟

الشيء الوحيد الذي يستطيع إبقاء روحي على قيد الحياة حتى الآن، هو الأمل الذي يراودني بين الفينة والأخرى بأن البسمة ستعود لترتسم على شفاه الكون، والطيور ستحلق لتنشد نشيدها الخالد في جو السماء، وأن الجمال سيعود ليكلل كل شيء كان جميلًا.

الشيء الذي ما زال يصب زيت الزيتون في سراج قلبي كي لا ينطفئ، هو أنني كلي يقين أن هناك تواشيح أخرى ستُنشد لفجر يبزغ قريبًا بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد