رجاءً قبل أن تقرأ هذه الكلمات، أود لو تضع هذا السؤال نصب عينيك، هل الأفضل أن تأخذ إنسانـًا لا يفقه شيئًا وتُعلمه من جديد، أم تأخذ من تعلم كثيرًا ولكن خطأ فتشوه تفكيره وتُعلمه المبادئ من جديد؟ أيهما سيستجيب لتغيير «داتا» المعلومات بسهولة!

أتت الرياح بما لا تشتهي السفن لتميّز الخبيث من الطيب من فئة الدعاة الجدد، فأراد الله لأقنعتهم السقوط بعد كل هذه المراحل التي قد مررنا بها سياسيًا بمصر، فبعد أن كان المعظم يرى فيهم النموذج الذي يريد أن يسير على خطاه، أصبحوا يرونهم ما هم إلا ناقلين لما في الكتب، وكأن كل منهم راوٍ أو أقرب للإنسان الآلي القارئ الذي يقرأ ويدُّلك ويضِل هو، فكثير منّا صُدم، أهذا هو الداعية الذي أستهدي بطريقته وآخذ منه فقه الحياة لأجده يتركني عند أول اختبار دنيوي، أهذا هو الداعية الذي حكانا كثيرًا عن خشية الله وهو الآن يخشى الأنظمة والمصالح، أهذا الذي تعلمت منه «تعس عبد الدرهم»؟! وغيرها الكثير من التعاليم، حتى وصلت قاعدة كبيرة من الشباب إلى قرار أكثر أريحية من سؤال الصدمة الذي لا يفارقهم، ألا وهو أننا سنعتبرهم ما هم إلا رواة لا تتجاوز كلماتهم أفواههم!

وكانت هذه مرحلة لا بأس بها أخذت ما يقارب الثلاث سنوات بتاريخ سفك الدماء في رابعة.

ثم تطورنا من مرحلة الإنسان الآلي الراوي، إلى عائلة باربي الإسلامية، طبعًا هنا نجد تشابهًا عظيمًا بينهم في تحول الـ 180 درجة بل يصل لـ 360، لماذا؟

لأن عرائس الأطفال الصغيرة تحولت من طفولة العرائس إلى زرع الغرائز، أما هؤلاء فتحولوا من الدعوة للزهد إلى الدعوة للزهو! فهؤلاء تحولوا من حكايات الزهد واللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا إلى أشهر الماركات والمصففين والتسريحات.

أصبحنا لا نستطيع مشاهدة هذه البرامج حتى من باب مشاهدة الإنسان الآلي، فكيف أجلس لمشاهدة برنامج تأخذني صور ديكور خلقة الداعية قبل ديكور الأستوديو!

لا أعلم هل يشاهدون أنفسهم، هل يتفكرون لحظة باتساق أقوالهم مع أفعالهم، أم لديهم مشكلة تعريفية بقضية القول والفعل، هل يظنون أن على الإعلامي أن يكون أمام الكاميرا «موديل» وماركة وخلف الكاميرا يتحول للمسلم التقي الورع، أم بماذا يفكرون؟ أم أن هذه المهازل التي نراها مقصودة لخلق فكر معين مشوه لدى هذا الجيل، أم أن هؤلاء الدعاة يفكرون بمبدأ «نص العمى ولا العمى كله»، فلعل العمى كله أفضل بهذا الحال المؤسف.

اخشوشنوا وتقوا الله

صدقًا، أن يكون الداعية متصدر كوميكس الشباب كالفنانين، معناه انحدار وانحراف لأهدافكم

بداية أية رسالة يجب أن تزرع معتقدًا يكون سببًا رئيسيًا لكل ما هو قادم يكون بوصلة للتفكير، حتى وإن كانت رسالة استثمارية أو تسويقية أو تعليمية وغيرهم، فتجد مثلًا رجل الأعمال لديه معتقد رئيسي ينبع منه كل أفكاره واتجاهاته، فأي معتقد هذا الذي يجعلهم في هذه الصورة من الانفصام؟

أي معتقد هذا الذي يجعل التساهل بل «التمايع» باسم الدين ظننّا أنها «مرونة».

هذا بجانب فريق آخر يتفنن بوضع السم بالعسل حتى يشوه تفكيرك على المدى البعيد، ويتخفى تحت لقب الأزهر أو صورة العمة! و يبدأ بتشويه الأجنة!

أما الفريق الذي نجى من انفصام القول والفعل، ووضع السم بالعسل، فقد ابتلي بمرض التنفير، فيأتي يدعوك للفضيلة قبل أن يبني لديك العقيدة الصحيحة!، فيشعرك بالإحباط.

وكأنهم كلهم متفقون على تشويه فكر الجيل القادم كما تيسر له!

أخشى أن ينظروا للنقد وكأنهم مثل الشجرة المثمرة يكثر الطوب الملقى عليها، أرجو أن لا يأخذكم الزحام ولا يغركم سلم النجاح.

ولأكون مُنصفة فهناك دعاة جدد يدعون لما يعلمون ويعملون بما يدعون، هم الفريق الطيب الذي نجا من جميع ما سبق، ولكن وا أسفاه، لا يأتيهم العروض الإعلامية لأنهم ليس لديهم العضلات لزوم ال «fitness» لأنهم لا يرتدون اللون البمبي بدرجاته لزوم الـ«fashion»، ولا يتكلمون بهدوء بطيء لزوم القافية والـ«show» الإعلامي، ولا يغمضون عيونهم كأن هناك «بصلة» بالأستوديو تشوّش رؤيتهم.

قال تعالى:

«وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا «66» وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا…». «سورة النساء»

وأخيرًا، لا تنس أن تفكر بإجابة السؤال الذي بدأنا به المقال.

كي نعلم أننا على أعتاب إعاقة فكرية تحت مسمى الدين الوسطي، وكأن الدين درجات حسب التحديث الذي وصلك!

سوف نجد العديد من المغريات والمؤثرات ولكن البوصلة الحقيقية ستظل لله، لنا الله وما تبقى من الضمير، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص وسبيل الرشاد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد