إن الضربات العسكرية التي شنتها القوات المسلحة المصرية ضد مواقع تنظيم ما يعرف بـ داعش في ليبيا تمثل – في رأيي – جزءًا من الحل المنشود للقضاء على الإرهاب الذي يهدد مصر من الخارج، وأرى أن هناك عقبات كثيرة تنتظر مصر حتى تجد الحل الكامل الشامل الذي يخلصها من خطر تلك الجماعات الإرهابية.

 

ومن أبرز تلك العقبات في مواجهة تنظيم داعش في ليبيا إيجاد الموارد والإرادة الضرورية لتنظيم إستراتيجية واختيار شركاء لاستكمال حربنا ضد داعش ومن على شاكلتها من جماعات متطرفة، أعتبرها تشكل تهديدًا على أمن مصر؛ لذا على مصر أولاً أن تنحي جانبًا فكرة الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية كشريك محتمل في هذه الحرب، حيث إنه من المؤكد أن واشنطن لن تتعاون مع القاهرة في ذلك، لأنها تعطي الأولوية حاليًا لمحاربة التنظيم في العراق وسوريا فقط، ولن تتدخل بأي شكل من الأشكال في محاربته داخل ليبيا، وستكتفي ببيانات الشجب والتنديد والإدانة ليس أكثر من ذلك.

 

كما أنه يجب على القادة في مصر أن يركزوا عند اتخاذ أي قرار لاحق متعلق بالسياسات الواجب اتخاذها في ليبيا على فهم دقيق للمشهد المتطرف المتغير باستمرار هناك؛ حيث إن أنشطة تنظيم داعش في تزايد وانتشار فعلي داخل ليبيا، بالإضافة إلى الجهود المقلقة الرامية إلى تجنيد محاربين مخضرمين من «أنصار الشريعة في ليبيا».

وبالرغم من تأكيد جهات مسؤولة في ليبيا على عدم وجود أنصار لتنظيم «داعش» في أراضيها، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك، وأود لفت الانتباه هنا، إلى أنه حتى لو كان حضور تنظيم داعش العسكري على الأرض الليبية محدودًا في الوقت الراهن، إلا أنه من المؤكد أن مؤيدي التنظيم يعكفون حاليًا على وضع أسس لإستراتيجية طويلة الأمد في ليبيا وبقية شمال أفريقيا أيضًا.

 

وتأكيدًا على ما ذكرته، فإن داعش يكثّف من حضوره المادي والإعلامي بشكل ملحوظ في ليبيا، وذلك منذ أن أعلن «مجلس شورى شباب الإسلام» بمدينة درنة مبايعته للتنظيم في أكتوبر الماضي، وبعد ذلك، اعترف زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي بانضمام أقاليم «برقة، وطرابلس، وفزان» الليبية إلى «الخلافة» التي ينسبها لنفسه. فضلاً عن أنشطة تجنيد الأعضاء الجدد التي يقوم بها داعمو التنظيم على شبكة الإنترنت بصورة مكثفة، بالإضافة إلى الترويج لصالح توسع «داعش» في ليبيا واتّباع إستراتيجية جديدة في شمال أفريقيا.

 

ويبرز حاليًا إجماع على أن داعش يستقطب أعضاءً من «أنصار الشريعة في ليبيا»، خاصة بعد الهجوم الساحق الذي نفذته «عملية الكرامة» ضد الأخيرة، والذي يمثل ضغطًا عليها يدفع أنصارها للاستجابة إلى «داعش» والانضمام إلى صفوفه، رغم أن موقف «أنصار الشريعة في ليبيا» من تنظيمي داعش و«القاعدة» غير واضح بالكامل، إلا أن عددًا من المناصرين لتنظيم «داعش» في ليبيا يتحدثون عن المنظمتين على أنهما كيان واحد، مشيدين بمقاتليهم، ولكنهم يقولون بأنّ الوقت قد حان لانضمامهم إلى الخلافة. ويُعزى هذا الاستقطاب على الأرجح إلى الانتصارات التي يحققها داعش في بلدان شرق البحر الأبيض المتوسط وتوسعه السريع في ليبيا.

 

ولمن لا يعلم، فإن لتنظيم داعش أنشطة متنوعة في ليبيا قام بها خلال الفترة الماضية؛ والتي تركت بصماته في مدن «بنغازي، وسرت، وطرابلس» وأجزاء من جنوب ليبيا، وكان التنظيم يبث لها من مكتبه الإعلامي في إقليم فزان وبرقة وطرابلس، كما أنه يعمد إلى الترويج للأنشطة «اللينة» التي يقوم بها مثل «الحِسبة» والتي تتمثل في حرق علب السجائر وإتلاف النراجيل (الشيشة) وهدم التماثيل والأضرحة، وكذلك نشاط «الدعوة» المتمثل في إقناع المسلمين في الأسواق بالإقلاع عن أنشطتهم التجارية والانضمام إلى عناصر التنظيم في المساجد، بالإضافة إلى «التوجيه الطبي» وتقديم المساعدة العامة للمحتاجين والحلوى والهدايا للأطفال في بنغازي، على سبيل المثال.

 

كما استفاد تنظيم «داعش» من الهدوء النسبي في طرابلس للقيام بأنشطة «الدعوة» في جو مريح بصورة أكثر، وتنظيمه لجلسات التعارف واللقاءات المتنوعة، وتوزيع الأموال النقدية والملابس.

 

ويعمل تنظيم داعش جاهدًا على الابتعاد قدر الإمكان عن بث ما يقوم به من الأعمال المتعلقة بالعنف، والتي وصلنا منها خلال الفترة الماضية عملية إعدام صحفيَيْن تونسيَيْن في برقة، وقتال الشوارع في بنغازي، والنزاعات المسلحة وإطلاق الصواريخ وأنشطة العصابات في عين مارة.

في السياق ذاته، يقوم تنظيم داعش بتركيز دعايته المضادة على ما يسمى بـ«الصحوات»، وهي مجموعة قوات غير نظامية تشارك في الحرب المحتدمة في ليبيا، وكانت قد تشكلت على الأرجح كقوة لمكافحة التمرد في يوليو 2014، ومنذ ذلك الحين، يحاول «داعش» إلقاء اللوم عليها بالتسبب في تدمير بنغازي، ويصفها بـ«صحوات الكفر».

وأؤكد أن الأسس الكبرى التي يعكف تنظيم داعش في ليبيا على وضعها حاليًا ويسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحقيقها؛ تتمثل في التوسع على المستوى الإستراتيجي داخل البلاد، حيث إن قادة التنظيم هناك ينظرون إلى ليبيا على أنها «البوابة الإستراتيجية» لـ«داعش»، في ظل عدم إدارك بعض الدول لحجم ليبيا، الدولة التي تطل على «البحر والصحراء والجبال»، بالإضافة إلى مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس، وسيساعدهم في تحقيق ذلك الانتشارُ الواسع للأسلحة المتنوعة فيها.

أخيرًا وليس آخرًا، أكرر تأكيدي على أن داعش إذا ما تحقق له ما ذكرته آنفًا، فإنه سيعمل على إزالة الحدود التونسية والليبية والمصرية، أسوة بالقرى المدموجة التي أنشأها في «إقليم الفرات» في سوريا والعراق. بعد ذلك، سيسعى تنظيم داعش في ليبيا إلى إنشاء جبهة غربية تلتقي مع إخوانه من قادة «أنصار بيت المقدس» في شبه جزيرة سيناء للزيادة من إحكام سيطرة «الخلافة» على المنطقة، وللتخفيف – في الوقت عينه – من الضغط الخارجي على التنظيم في بلدان شرق البحر الأبيض المتوسط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد