‎الغربة!

‎الطريق الأمثل للاكتئاب؛ هي الحياة الصعبة، الوحدة، الانعزال، الصمت الحاد، الأرق، وإذا رضي عنك قلبك، وتركك كي تنام، يكن نومًا مفرطًا، هي فقدان كل شيء مفرح.

‎الغربه هي أن تحيا بلا روح، وأن تعيش بلا حياة! أن تكون وحيدًا شريدًا تمضي في تيه كبير، ‎أعلم أن كلماتي مبهمة لمن لم يعش الغربة، إذن دعني أحاول جاهدًا الإيحاء لك بما نشعر به؛ مثلًا: ‎تمشي في طريقك قاصدًا مكانًا ما لأول مرة، واختلط عليك الأمر، وسلكت شارعًا آخر أو قطعت طريقًا خاطئًا، وحدث أن أضعت طريقك حينها تقف في تيه من أمرك، تضطر لسؤال الناس حتى تعود لطريقك الصحيح؛ فتجد من يرشدك في دقائق معدودة.

‎أما عنا يا صديقي، فنعيش هذا التيه بشكل يومي متكرر لا يفارقنا، يحاصرنا، ‎حصارًا لا ينفك يخنق قلبك، يشعل عقلك،  يدمر كل شعور يختلج صدرك، عدا الحزن.

‎ذلك التيه، سرمدي لا ينفك. ‎ليس تيها كتيه بني إسرائيل! ‎إنما تيه شعوري لا رأفة فيه. ‎جُلُّ شعور فيه هو فرطٌ من قسوة لا حدود لها! ‎تتجرع ُسم الأسى، وقلبك ترك وحيدًا، ولم يبك عليه أحد، تتجسد الحياة، وأنت في الحقيقة تتوسد الموت!

‎أية حياة تلك البعيدة عن وطنك وأصدقائك، أي بيت دون أمك وأخوتك وأبيك، الغربة حلقة مفرغة ندور بها كل يوم، وبلا جدوى، فقط اتسعت دائره الألم؛ حتى أصبح محيطها مستقيمًا!

بالرغم من كل عقبات الحياة، وقسوتها ومع كل هذا الألم، نعيش في غربة بين شوارع غريبة، غير التي تربينا وترعرعنا فيها، نعيش في مجتمع يتحدث لغة غير لغتنا، طباعه وعاداته غير طباعنا وعاداتنا؛ كل شئ هنا مختلف وبلا طعم!

‎لم أختر التغريب عن وطني، لكني خرجت مكرهًا، خرجت على مضد، مودعًا أحبتي وأهلي، تاركًا بلدي بشوراعها التي أنا جزء منها، وهي جزء مني، والبيوت القديمة التي تحمل عبق سنين من كفاح ومشقه وتحمل بين جدرانها عشرات الحكايات، للمسجد الذي أمام منزلنا، وهذا الزحام الذي اعتدناه وألفنا وألفناه، وتلك الوجوه البائسة هنا، والضحكات العابثة هناك، هناك حيث الظلم فاق المدى، والفقر اجتاح الجميع، هناك في بلدي مصر، أفتقد كل شيء، أفتقده بشدة!

‎أشتاق الجلوس علي المقهي مع الرفاق، ولعب الدومنيو والطاولة، وصخب لعب الطاولة أو الدومنيو، ودندانات الناس المتناثرة، وصوت طرق الملاعق في الأكواب، كل هذه الأصوات بينها تناغم غريب، وغير مزعج، لكنه أشبه بموسيقى، ومثلما قال حمزة نمرة في أغنيته «على القهوة» «على القهوة ناس قاعدة تدوق طعم الوطن».

‎ماذا يعني أن يفصل بيني وبين من أحب بلاد وبحور، أخاف أن اُنسى، بالكاد سأُنسى، دون مكالمة تتكرر كل مدة عبر الإنترنت يتخللها تشويش الشبكة، أو صورة أتأملها وأسترجع ذكرها!

‎دائمًا ما يطاردني سؤال هل سأعود إلي وطني، لم تمض من غربتي سوى عدة أشهر، ولكن اشتقت.

‎أيتها الغربة! ‎سحقًا لتيهك، بئس التيه هو!

‎ولكن لا يزال القلب فيه قبسٌ من نور مهما أظلم، خلال كتابتي لهذا المقال استوقفتني خاطره كتبتها منذ فترة، ولربما وقعت في طريقي في هذا الوقت تحديدًا لتقويني، مجرد أن قرأتها واسترجعت ذكرها شعرت بنفسي تهمس لي أصمد وكأنها كانت تسرج مشكاة قلبي التي أطفأها تراب الغربة، وتحكي الخاطرة التالي!

‎ما بك يا فتي! أقسى عليك الدهر؟ لكني ما زالت اراك صلباً تصارع الموت بالحياه كما يقولون، أرى فتورًافي عينيك! ولكن من وراء هذا الفتور ألمح شظايا قوى محارب في أرض المعركة، ماذا يدور بعقلك؟ ‎أشعر بهوج الحرب تلك التي تسكنك، اصمد! عجيب أنت! بالرغم من كل ذلك لازلت واثقًا، ولا زالت تلك النظرة المرعبة تتوهج في عينيك. ‎كيف تكون النهاية في خيالك؟ لازالت عند اعتقادك بأن الإبادة الحل الوحيد؟ اعتقدت مؤخرًا أنه لولا وجود الأغبياء ما وجد المفكرون من الأصل.

‎كم روح لك؟ كل ذلك ولم تمت!

‎افهم يا غبي، نحن الآن قد وصلنا للمنتصف بين البداية والنهاية، خطوة واحدة الآن تحدد أية طريق تسلك، أية طريق ستصنع ربما، قال لي أحدهم: اذهب حيث لا طريق، واصنع طريقًا. مع أني لا أتذكره، ولكن لازلت جملته تطاردني إلي يومنا هذا.

الحياة في الوطن لها لذة خاصة، وللاغتراب لذة أخرى. على كل حال، الحياة أقصر من أن تندب حظك، فدع الأيام تفعل ما تشاء، واترك السفن تجري كما اشتهت لها الرياح، في نهاية المطاف سنموت جميعًا. وما تدري نفس بأي أرض تموت، فأسأل الله حسن الخاتمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد