مقولة تكشف حقائق بعيدة عن الإنشاء الكتابي الذي يجعلنا نشعر للحظات بجمال ما يلبث أن يذهب أدراج الرياح؛ فنعود إلى قسوة الحقيقة التي تلطم الوجه بكل قوة لتزيد الغربة وجعًا.

“تأكد أن الجميع عندما يتكلم عن الغربة فإنه بالحقيقة يتكلم عما فقده من “وطن”.

ولكن هل ما نحتاجه الآن في الغربة الحنين إلى الوطن! وفتح الجراح؟ لا أعتقد أننا نحتاج لذلك لأنه بكل بساطة يجعلك تعيسًا لا تنجز، خاملاً تلاحق خيط دخان، لا تبدأ حياتك بانتظار عودتك للوطن.

لأننا عاطفيون نفكر بالقلوب لا العقول، فإننا ننتظر العودة ولا تهمنا نوع العودة وشكلها وفائدتها لك وللوطن الذي تحلم به، ما نحتاجه اليوم خطوات واضحة نرسمها لأنفسنا ولمن نحب، إنجازات نحققها لأنفسنا وأحبتنا والوطن الذي نحلم به.

سنرسم معكم أحبتي بعض الخطوات نرسلها لكل مغترب أو مدافع عنهم أو يعمل من أجلهم. رسالة لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني في الغربة:

 

“المغترب ينقصه أمران مهمان: المعلومة والتأهيل”.

نعم يا سادة، المغترب لا يريد من يعطيه الخبز والماء بقدر من يعطيه المعلومة الصحيحة بكيفية الوصول إليهم عن طريق عمل أو وظيفة، المغترب لا يبحث عن من يترجم له بقدر ما يحتاج إلى من يعلمه اللغة الجديدة، ذلك ما نريده اليوم. رسالة لمغترب أصبح من أهل البلد؛ فتكلم بلغتهم وتجنس في دولتهم:

 

“المغترب ينقصه أمران: الطمأنينة والسؤال”.

نعم يا سادة، لوجودكم نكهة خاصة، أنتم من نفس البلد الأصلي وخضتم نفس التجربة، وأنتم الآن في الجانب الآمن بعد تعلمكم للغة وتجنسكم بجنسية البلد وحصولكم على وظيفة. لا تمتهن جهل المغترب الجديد، وتذكر أنك كنت في يوم من الأيام مثله تبحث عن قشة تستنجد بها من بحر عميق. قف إلى جانبه، أرسل له الطمأنينة، اسأل عنه دائمًا هذا ما يحتاجه منك.

رسالة إلى سفارات وقنصليات الوطن:
“المغترب ينقصه أمران: ألا يذكر الوطن، وألا يكره ابنه الوطن”.

نعم يا سادة، فبمجرد دخولك لسفارة أو قنصلية الوطن تنخفض معدل الحريات، وتنتهك أبسط مقومات الكرامة، ويحكم الجهل فوق العلم، ويرتفع صوت النعيق. فالمغترب عندك يذكر الوطن ويبكي لا لحنينه الجياش، ولكن لتلك السنين التي عاشرها بهذا المستوى، وينظر الصبي فيكره الوطن رغم أنه لم يره، ولكن يكفيه أن شم ريحه في سفارات وقنصليات الوطن؛ فالذي نحتاجه ألا يزور المغترب سفارات الوطن، أو يوصل ابنه إلى تلك النماذج السيئة عن الوطن.

رسالة إلى القابعين في أرض الوطن:
“المغترب ينقصه أمران: أن تنقل له الحقيقة عن الوطن، وألا تدعوه للرجوع”.

نعم يا سادة، المغترب لا يحتاج أن تخبره جمال الوطن في يوم استلام الراتب، وقبح الوطن يوم أن أزعجك أحدهم؛ فتلك المزاجية في نقل أخبار الوطن ترهق المغترب، فرفقًا به ولا تحمله مزاجياتك، ولا تدعوه للرجوع وأنت تعلم صعوبة أو استحالة ذلك؛ فتزيد من وجعه.

وأخيرًا
رسالة إليك أيها المغترب:
“أنت بحاجة إلى أمرين: الحاضنة والإنجاز”.

نعم يا سيدي المغترب، أنت بحاجة لأن تكون ضمن جماعة في الغُربة، تعطيك ما ينقصك، تشد من أزرك، تعينك، تمنحك المعلومة الصحيحة، تأخذ بيدك، تحافظ على عائلتك. وتحتاج إلى الإنجاز، لا تجلس بدون أن تحرك ساكنًا، تعلم لغة تطوع في الجمعيات التطوعية، ابحث عن عمل، اقرأ، استغل فراغك، انجز كل ما بيدك، كن إيجابيًّا، وتأكد من أن الحركة ولود والسكون عاقر، عندها ستمضي السنين بك وقد حققت متحفًا شخصيًّا تفتخر به، وإن أكملت الغربة فإنك تكملها بكرامة، وإن رجعت إلى بلدك فقد رجعت بالكثير ليس كما خرجت منه يومًا بالقليل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد