طيلة فترة حكم نظام الإنقاذ (الجبهة الاسلامية) منذ 30 من يونيو (حزيران) 1989، لم تمر به عاصفة مثل التي تشهدها البلاد الآن، انتفاضة حقيقية نابغة من عمق الشارع ويقودها الشعب السوداني كثورة نقية لم تخالطها شوائب الأحزاب بجميع مدن السودان غايتها، ورأيتها واحدة وهي إسقاط النظام مطالبة بالحرية والعدالة، وبالتاكيد شكلت نجاحًا باهرًا لدرجة لم يستوعبها النظام كعادة من نافق نفاقًا مفرطا لكسر شوكة الحراك الثوري، مع استخدام شعارات قديمه لم تعد مجدية، مثل: (مخربين، ومندسين)، وغيرها من أساليب التشكيك، إلا أن الشعب يسبح مع خيارة – سلمية  سلمية – بوعي يفوق حد الوصف، بينما تمارس الحكومة القوة نفسها التي استعملتها في عدة مناطق ولم تفلح، دارفور نموذجًا، وهذا دليل واضح على نجاح هذه الثورة، ودليل آخر على عدم قدرة هذا النظام لتقديم معطيات جديدة يجد فيها الموطن ضالة.

قد أخفق النظام في ممارسة السياسة منذ أمد بعيد؛ لأن أصل حكمه مدعوم بالارهاب، سرمدي أحادي، هتلري فاشستي، دكتاتوري همجي، قمعي استنزافي تحول لقوة انهزامية لا تفوز إلا على شعبها، ولم يترك خيارًا للشعب غير طريق الثورة، والنقد العنيف، حارب الحق بالعنف، واشترى الذمم بالمال، وأذل الرجال، وقهر النساء، وشرد ما تبقى منهم، وكبت الحريات الثقافية والفكرية، ولم يكن السودان وطننا آمنًا في كل أرجائه، ومنذ اندلاع شرارة الثورة في 19 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، لم يخرج الرئيس البشير حتى الآن لشعبه ليتحدث عما تشهد البلاد، والحلول الممكن تقديمها لامتصاص غضب الشارع ربما تكون الفرصة الأخيرة للنزول عن صحوة جواده، والترجل أمام شعبه، فهو كرئيس (H D) والإتش دي، تعني في عالم السياسة Hard Dictator، وعند الشعب السوداني تعني Hot Dog، مرشحًا لانتخابات 2020، أليس من حق الشعب أن يعرف ما هو البرنامج الانتخابي والاقتراحات للخروج من الأزمات الاقتصادية المتتالية منذ انفصال جنوب السودان في 2011، وكيفية إعادة الأموال المنهوبه من موارد النفط والذهب وغيرها من المال العام، أليس من حق الشعب أن يعي مصيره؟ ومن أوجب الوجبات تنويره لدور القادم لفض النزاعات في منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق؟ وما هي التنازلات السياسية التي سوف يقدمها لقوة المعارضة إبان عودتها للداخل وإنخراطها في عملية بناء الوطن؟ تعد هذه أبسط أبجديات السياسة، وأحق حقوق المواطنة والعيش الكريم، أما الحقيقية فلم يبق للبشير شيء ينادي به، استهلك كل المناورات والحوارات الكاذبة، لم يبق له سواء النفخه الفارغة التي يمارسها أمام كل حشد، اذكر جيدًا كلمة في منطقة الرماية الخاصة بالجيش في مدينة عطبرة، والتي غازله فيها الإسلاميون بأن السلطة لا تفارق الكالي (الجيش)، فيذهب (كل فأر إلى جحره) حسب تعبيره، وبعدها بعدة أيام فقط قام بتحويل معسكرات الترتيبات الأمنية من الجيش إلى الدعم السريع، فالرجل مضطرب حتى النخاع، ولا يثق فيمن حوله، ويرى التملص من سفينة الإنقاذ خيار من لا خيار له داخل النظام.

تصريح محمد عثمان الركابي وزير المالية الأسبق لصحيفة التغير في يونيو (حزيران) 2018 بقوله: وزارة المالية تنفذ فقط السياسات الاقتصادية التي وضعتها الدولة في إطار حكومة الوفاق الوطني، وهي سياسات اقتصادية قديمة يتم تنفيذها على مراحل، هذا التصريح أدلى به الركابي في آخر أيامه، وفي الواقع ظهرت حيثياته جلية في حكومة معتز موسى، وهو من الرعيل الثاني للإسلاميين، إلا أن صلة القرابة بينه وبين الرئيس غلبت على بعض القيادات، مما يجعل أبرز السيناريوهات بأن هناك دولة عميقه أو متجذرة من داخل هذا النظام، وللتعريف بالدولة العميقة يمكن القول إنها تضم شبكة لأشخاص وقوى سياسية ومافيات فساد تلتقي مصالحهم معًا، مما جعل التأثير الخارجي أقوى من النظام نفسه، وهرولة البشير بين الدول ليس ببعيدة، فالنظام يعمل على تبديل ثوبه، ويود أن يظهر بحلة جديدة تشكل ملامح الجبهة الإسلامية (الإنقاذ 2).

هناك سناريو آخر يسعى إليه النظام جاهدًا لتحويل هذه الثورة المنادية بالسلمية – الي ثورة الضد – وجرها إلى حرب أهلية إذا فشل في إقناع الشعب بحلة الجديد، ثم يجعلون من سردية قطع الرؤوس مبررًا كافًا، ومثالًا للوحشية المطلقة التي تعبر عن دموية النظام، ثم يستشهدون بآيات القتال في القرآن، ويفسرون حسب ما يدور في عقولهم، وهذا ما فعله الرئيس البشير عند لقاء قادة الشرطة في بداية حراك الثورة، مستغلًا الدعم الإقليمي والتغطية الإعلامية الضعيفة، خاصة في المنطقة العربية، فهي داعمه للنظام وفق مصالح تحسبها إستراتجية، وخوفها من العدوى وإشعال ربيع عربي آخر – في ظل الصراع القائم في اليمن واقتسام الكعكة السورية بشوكة الدول العربية نفسها. هناك سناريو آخر وهو إبعاد الرئيس البشير عن المشهد السياسي بصورة نهائية، مقابل ضمانات داخلية وخارجية، رغم أن هذا السيناريو يعد ضعيفا جدًا، لكل من تابع خطابات البشير في الفترة الأخيرة يرها ما زال في ضلاله القديم، الحماسة الزائدة، والوعود التي يحسبها رفاهية للشعب، وهي لم تعد كذلك، ويذكر في كل خلاصة حديث بسوريا واليمن وغيرها من دول التي يراها نكبت بالربيع العربي، مصورًا مشهد الفوضى وعدم الأمان، ومما يساعده اعتقاد بعض قيادات النظام بأنها أزمة عابرة، وبعدها يكتب لهم الخلود في سدة الحكم، هم من عمقوا وأوحوا له بهذه الفكرة، متناسين إرادة الشعب التي لا تخيفها المدافع ولا الزنازين، وهم فينا كل شيء، وما نحن إلا سبايا وجوار، هذه نظرتهم.

لذلك ستظل فكرة المقاومة السلمية السلاح الوحيد الذي يغلب النظام، وذلك بالعصيان المدني الشامل تارة، والاعتصام والمقاطعة تارة أخرى اقتداء بسلاح المواجهة بلا عنف، كما فعل المهاتما غاندي السياسي البارز والزعيم الروحي للهند خلال حركة استقلال الهند، كان رائدًا للساتياغراها، وهي مقاومة الاستبداد ضد الإمبراطورية البريطانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد