كان لوالدي رحمه الله صديق فلسطيني، يدعى (أبو زياد)، أظنه كان معلمًا للغة العربية، وكان قد عمل لعدة سنوات في المغرب، ويبدو أنه تعلم هناك العديد من الأمور التي تدخل ضمن نطاق الظواهر الغامضة العصية على الفهم والتفسير، من قبيل ما يسمى بتحضير الأرواح. وذات يوم، كان المعلم يزورنا، وبما أنني كنت الولد الأصغر في العائلة، إذ لم أكن قد بلغت الحلم بعد، وكنت الأكثر تدينًا وبراءة وشفافية مقارنة بإخوتي المشاكسين الأكبر مني، فقد دعاني أبي إلى الجلوس معه ومع ضيفه، لأكتشف بأنهما ينويان استخدامي وسيطًا لجلسة تحضير أرواح!

أخذ الرجل كفّي، وبدأ يتمتم بصوت خافت بعض الآيات القرآنية والأدعية، ويطلب بنبرة حاسمة آمرة من الروح الطاهرة بأن تحضر، مع أنه لم يكن على ما أذكر يستدعي روحًا محددة أو لشخص معين. وبعد دقائق قليلة، وجدت كفي تثقل والتنميل يجتاح أصابعي. لا أدري إذا كان ذلك كان بفعل الإيحاء، لأنه كان يكرر سؤالي فيما إذا كنت أشعر بأن يدي تصبح أثقل، أم أن روحًا بالفعل قد حلت فيها!

لكن ما حدث بعد ذلك كان يبعث على كثير من الدهشة، ويصعب حقًّا تفسيره بفرضية الإيحاء. فقد أعطاني المعلم قلمًا، تمهيدًا للبدء في الإجابة عن الأسئلة التي سيتم طرحها على الروح، بعد أن أعلن بأنها قد حضرت على الأرجح، ما دمت أحس بالخدر في يدي. إذ كأن قوة ما كانت تسيّر يدي عندما كتب القلم الذي أحمله ببطء كلمة (نعم)، بصورة غير منقوطة، ردًّا على سؤال الروح فيما إذا كانت قد حضرت، من باب التأكد من مقدمها. لكن نقطة الغرابة الحقيقية كانت عندما طرح أبي سؤالًا لم يكن يعرف إجابته إلا هو، وكأنه يريد اختبار صحة ما يشاع عن معرفة الأرواح ما قد لا يعرفه الأحياء!

كان أبي أيامها ينهمك في بناء بيتنا الجديد، فقام بالسؤال عن اسم أحد الفنيين الذين قابلهم ذلك اليوم بخصوص تزويد البيت بشيء ما لسه أذكره، لنجد القلم يتحرك ويكتب اسم (باسم)، بدون نقطة، وبشكل يصل بين حرفي الألف والسين، الأمر الذي أذهل أبي وأذهلني، وجعل شعر رأسي يقف ووجهي تتبدل ألوانه كإشارة المرور، لإيماني لحظتها بأن عفريتًا أزرق أو أحمر يلبس يدي، فقد كان اسم الفني المعني كما أعلن أبي هو (باسم) بالفعل! بل إن المعلم أشار عندها بأن الكتابة عن طريق الأرواح تخرج دون انفصال بين الأحرف، وبدون نقاط، التي لم يتحرك القلم لكتابتها، بالرغم من سؤاله لي وسط عملية الكتابة لماذا لا أكتب النقاط، وهو ما يؤكد، حسبما قال، أن روحًا ما كانت هي التي تكتب، حتى وإن كنت أنا الذي يحمل القلم!

يبدو أن أمارات الخوف والاضطراب كانت واضحة على وجهي وجسدي عند تلك المرحلة، فما كان من المعلم إلا أن أنهى الجلسة على عجل، خوفًا من أن يغمى علي، عن طريق الإمساك بكفّي، وترديد بعض الآيات والأدعية، حتى عادت إلى سابق عهدها، خفيفة نشطة متحررة من هيمنة العفاريت!

البعض، وأنا منهم، يستبعدون في تفسير ما حدث ويحدث في جلسات «تحضير الأرواح» حضور روح أحد الميتين، لقوله تعالى في محكم التنزيل: «وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور».

التفسير الآخر الأكثر ترجيحًا من الأول هو حضور أحد الجن، أو قرين شخص متوفى. فالجن كما هو معلوم يعيشون لفترات طويلة جدًا، ويتمتعون بقدرات خارقة لا يملكها البشر، قد يكون منها قراءة الأفكار، وهو ما يمكّن الأشرار منهم من الوسوسة في عقول الناس.

أما التفسير الثالث الذي قد يقترب أكثر من الطروحات المادية، التي لا تستسيغ كثيرًا استحضار مخلوقات غيبية في تفسير الظواهر غير المفهومة، فيذهب إلى افتراض تمتع البشر، أو بعضهم على الأقل، بقدرات خاصة، منها قراءة الأفكار، والجلاء البصيري، أي التنقل فكريًا بين الأمكنة، وربما الأزمنة.

والواقع إن مثل تلك القدرات قد حظيت باهتمام كثير من العلماء، في الغرب طبعًا، حتى تم إنشاء علم خاص يعرف بالباراسايكولوجي، أي دراسة القدرات العقلية الخارقة، وقد تمنيت أن أدرسه وأنا صغير عندما قرأت عنه، لكن الجامعات العربية لم تسمع به حتمًا. ويقال بأن تلك القدرات قابلة للتنمية والتطوير، حتى إن الروس قد حاولوا في بدايات غزو الفضاء، وبقدر ملموس من النجاح، تدريب رواد الفضاء على التواصل فيما بينهم، وبين المحطات الأرضية، عن طريق التخاطر، أو توارد الأفكار وتبادلها دون وسائل مادية.

وفيما يلي بعض الفقرات المذهلة التي لا يمكن تفسيرها حول قراءة الأفكار، التي وردت في عدد من برامج الهواة الشهيرة:

https://www.youtube.com/watch?v=Iyi665iUUug

أعود إلى أبي رحمه الله، الذي يبدو أن الأمر قد راق له، فقرر أن يتعلم من صاحبه، حتى أصبح خبيرًا فيما يسمى بالفتح بالسلة. ومع أنه لم يكن يسمح لي بحضور جلساته، وكان يجريها في إطار من السرية والتكتم، إذ يظهر أنه قد قرر الاستغناء عن خدماتي باعتباري وسيطًا روحانيًّا، بعد أن اكتشف أنه يستطيع إنجاز الأمر دون وساطة مني، إلا أنني ما أزال أتذكر تلك السلة التي كان يستخدمها. كانت سلة عادية، وكان يتوسطها ثقب ضيق يتخلله قلم رصاص ينفذ من أسفلها، وورقة، رُسم عليها وجه إنسان، وكُتب عليها الآية القرآنية القائلة: «وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون». وإيراد مثل هذه الآية هو أمر غريب ومطمئن في الوقت نفسه، فهو يفيد بأن المشتغل بالأمر لا يتعامل مع الشياطين، والأرجح أنه يتواصل مع الطيبين من الجن!

وذات يوم، علمت بأن إحدى قريباتنا قد جاءت من القدس خصيصًا إلى الأردن كي يكتشف لها أبي، الذي كانت شهرته بوصفه خبيرًا في الموضوع قد شاعت في أوساط العائلة، أين ذهب مصاغها الذهبي الذي فقدته، وقد عرفنا أنه تمكن من تحديد هوية السارقة، والمكان الذي أخفت المسروقات فيه، وهو ما ثبت صحته لاحقًا!

كنا نتميز غيظًا من أبي رحمه الله لإحجامه عن إفادتنا من ذلك الكنز، فقد سمعنا أن بإمكانه، حسبما أشيع أن صديقه المعلم كان يفعل، معرفة أسئلة امتحانات الثانوية العامة بسهولة! بل إن ذلك المعلم كان قد شارك في برنامج أردني قديم للمسابقات، عنوانه (فكر واربح)، كان يقدمه إعلامي يدعى (رافع شاهين)، وكان قد وصل إلى الجائزة الكبرى القيمة، التي كان مقدم البرنامج اللئيم يضمن بأسئلته التعجيزية عدم وصول أحد إليها!

مع الأسف الشديد، رفض أبي رحمه الله تعليمي تلك الهواية، بل إنه توقف هو نفسه عن مزاولتها بعد حين، بعد أن تعمق في الدين، تجنبًا لما قد تثيره من مشاكل، وخوفًا من أن يكون فيها شبهة التعارض مع الشرع أو دخولها في باب السحر. لينصرف اهتمامي لتعلم أشياء أخرى، تدخل ضمن نطاق الظواهر الغامضة، مثل التنويم المغناطيسي، غير أن لهذا قصة أخرى قد أرويها لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد