سرعان ما تخف وطأة المشاكل ما إن تجد الحلول، حتى وإن لم تبدأ بتنفيذها في الحال، ولكن بمجرد أن تتوقف المشكلات عن الدوران في رأسك تشعر بتحسن وفارق كبير في حالتك النفسية، لن يشعر بصعوبة هذه الأزمة إلا من يعانون من التفكير الزائد والمتواصل في صورة حلقات لا تتوقف عن الدوران ولا تمل من طرح الأسئلة التي لا معنى ولا إجابة لها، لذلك الخروج من هذه الحالة النفسية المؤرقة يُعد اجتيازًا لامتحان صعب للغاية لا بد وأن يمر به المرء في حياته كجواز سفر للعبور من منطقة عمرية ما إلى منطقة أكثر نضجًا ووعيًا بالمشكلات والظروف من حوله .

وإذا كنت قد مررت بهذه التجربة، ستعرف جيدًا أنك ربما تمنيت لمرة أو مرات عديدة أن تتوقف حياتك وينتهى بك العمر عند هذا الحد، فلا أنت قادر على مواصلة الحياة على هذه الوتيرة ولا تستطيع تحمل أي ضغوطات أخرى، وربما تمنعك عقيدتك عن المسير الجاد نحو هذا الهدف الذي يعتبره البعض جنونًا، لذلك في هذا الوضع ستعتبر نفسك جسدًا حي بروح ميتة، فتستمر العمليات البيولوجية في القيام بمهامها الضرورية لإبقائك على قيد الحياة، لأن حالتك النفسية لا بد أن تؤثر على كفاءتها، ولكن على الرغم من أنك جسد حي إلا أنك تقف على الحياد، فلا تحمل أي موقف تجاه الحياة ولا تهتم لما يدور من حولك، فقط إنسان لا يُبالي بأي شيء، يرى العالم من منظور ضيق فتصبح النقاشات أقل أهمية من أن تشارك فيها وتكتفي بالإيماء الدائم مُعبرًا عن أنك لا تعارض ولا تُبدي السخط فقط تكتفي بالمراقبة من بعيد وفي صمت .

وبعد مرور فترة طويلة تجد أنك توقفت عن ممارسة كل الأشياء المحببة إليك، وأصبحت الأيام تمر جافةً فارغةً من أي معنى مما يزيد الأمر سوءًا وضبابيةً، وينعكس ذلك على مرآتك فترى ملامح إنسان شاحبة، وتفقد الرغبة في الاهتمام بأي شيء كان يعني لك شيئًا في السابق. حتى يأتي اليوم المشهود، الذي ستتخلص فيه من كل أزماتك وآلامك بمجرد أن تدرك أنك شخصٌ عاجزٌ تمامًا، وأن البشر مهما تقدموا إليك بالعون والمساعدة ستبقى جهودهم عاجزةً عن إحداث تغيير ملموس، حينها فقط ستدرك أهمية اللجوء لقوة أكبر لا يمنعها شيء ولا تخضع لشيء، قوة جبارة ما إن تلجأ إليها حتى تنتشلك من ظلامك الدامس إلى نور لطالما ظننت أنه لا يوجد إلا في أحلامك، حتى تلجأ إلى الله !

آيات قرآنية تلمس قلبك الضعيف، وسجود في آخر الليل تلتمس فيه العون والسكينة، سكينة تُلهيك عما يدور في صدرك، ورشدًا وأمانًا يحميك من الصخب الدائر في داخلك، يقينك الذي قابلت الله به قادر على إحلال السواد بياضًا، بطريقة سحرية لا علم لنا بها، رأيتها في نفسي ولم أعرفها إلا لأنني شعرت بها، الله قد أنهى كل شيء! صلاة ألتجئ بها إليه أنهت البركان الثائر وقضت على الضجيج الذي لا يتوقف أبدًا، وأرشدتني إلي طريق جديد لم أره، بينما أنا أبحث في كل الطرق على طريق لإنهاء هذه المأساة، وكأنما الله أوحى إلىّ بالحلول التي لم ولن أصل إليها بمفردي.

أدركت أن الدواء كان هناك، في اليقين والقرب منه واللجوء إليه والاحتماء بجلالته وطلب العون، وأنني متى طلبت يأتيني فيضان من النعم والكرم، وأنني بدونه لا حول لي ولا قوة، ومنذ ذلك اليوم عهدت إلى نفسي أن ألتزم بروتين يومي بعيد عن الفرائض والعبادات، طقس يومي من أجل السكينة، وبمرور الوقت بدأت الأشياء بالتحسن، وبدأت أعثر على نفسي من جديد، رأيت أن السعادة والسكون في البحث عن شغف جديد أُفضي إليه طاقاتي وأحلامي، وأن تلك الأيام التي كُنت أتذمر بسببها تعبًا وإرهاقًا هي عمري الحقيقي، الذي لا يُعد بالسنون والدقائق، أصبحت أرى في العزلة شيئًا من الجمال يجذبني إليه، لأن ليس كل ما نستمتع به يستوجب علينا مشاركته مع العالم، فبعض الأشياء إذا سمع العالم بها تفقد لذتها الخاصة والمميزة، بعضها يجب أن يظل سرًا حتى يحافظ على مذاقه السحري .

تعلمت أن الألم هو ثمن النضوج، وأنك كلما زاد ألمك زادت الفائدة المرجوة من تجربتك في الحياة، إننا سنظل نبحث عن أناس آخرون ليعالجوا الجرح الغائر الذي نعانيه ولن نجدهم، لأننا نغفل عن العلاج والدواء كان دائمًا وأبدًا غارقًا في أقصى أعماقنا، السر والعون والمدد ساكنٌ بنا، ما إن نعثر عليه نجد كل شيء نبحث عنه. الإنسان فانٍ وكل من أحببناهم راحلون فلا تعلق آمالك على شيء سيفنى ويرحل وينتهي، اجعل قوتك من ذاتك واعثر على هدف من حياتك، حينها فقط ستشعر أن الحياة أصبحت ملونة فجأة وأن الآلام سيخفت أثرها ما إن تفهم المعنى العميق لهذه الحياة .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد