تئنّ منطقة الشرق الأوسط اليوم تحت وطأة التجاذبات المذهبية بتغذيةٍ وتأجيجٍ من دولٍ إقليمية، انتظر المسلمون منها الكثير من أجل أن تبادر بمشروعٍ نهضوي للأمة، وإذا بدولة تروّج لمذهبٍ معيّنٍ على أنّه يمثل الإسلام الحقيقي، ودولةٌ أخرى تسعى للتغلغل في المنطقة العربية من أجل نشر “الإسلام الصحيح”.

إذ يعدّ قطع العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران تجسيدًا لمسارٍ تفريقي انتهجته الدولتان، فإيران جعلت من نشر المذهب الشيعي في المنطقة العربية هدفًا إستراتيجيا كغاية وكوسيلة كذلك من أجل تحقيق غاياتها ذات الطبيعة القومية والإستراتيجية في المنطقة. أما المملكة العربية السعودية فدعّمت مذهبًا سلفيا تضييقيا يجعل من أتباعه إخوة ومن معارضيه زنادقة ومبتدعة، بل وكفارًا، يحشد أتباعه ضد “الروافض” الخارجين عن الملة، وضد كل من يحمل نفس توجهاته.

أما إسرائيل، العدو “المفترض” للعرب، فتقف مهللة بهذه الصراعات التي إن تحولت إلى حروب فإنها لن تبقي ولن تذر. ويدرك أعداء الأمة أنّ ما من نعرةٍ مذهبية فإنها يجب أن تغذى، لكيلا يعرف العرب ما يمتلكونه من مقومات بإمكانها أن تجعلهم في مقدمة الأمم.

وسط كل ذلك، يقف المواطن العربي مشدوهًا أمام هذه الصراعات، تتجاذبه المشروعات الإقليمية الواحدة تلو الأخرى، وإذا به يدخل دون وعي في صراعٍ مع من يُفترض أنه أخٌ له في الدّين، أو على الأقل من يحمل نفس جنسيته.

ويتناسى المواطن العربي أنّ المشاكل الحقيقية التي يعانيها في يومياته لا تتعلق بالمذهب، بل مشكلاته تتمثل في البطالة والسكن ومختلف متطلبات العيش الكريم. لكن جرّاء فشل حكوماته في حل مشكلاته، تراه يجعل بينه وبين واقعه حجابًا، فيفرغ طاقته في صراعات لا تسمن ولا تغني من جوع.

شباب تونس اليوم ينتفض في ثورةٍ يعتبرها البعض “ياسمين ثانية”، لا يطالب فيها إلا بأمرٍ واحد؛ هو التنمية. شباب حماة السورية عندما انتفض في بدايات سنة 2011 ما طالب إلا بالحرية والتنمية، وكذلك فعل شباب مصر، اليمن، ليبيا، الجزائر، المغرب، في ربيعٍ ما آن له في الحقيقة أن يأتي بعد.

تترنّح اليوم ليس فقط تلك الدول التي عاشت “الربيع العربي”، بل دولٌ عربية أخرى أصابتها شظايا هذا الربيع؛ لم تجعل مما حدث منذ 2011 درسًا لها. فالجزائر لم تخرج بعد من غياهب التبعية للمحروقات، والمملكة العربية السعودية لم توفق في تبني مشروع نهضوي جامع لا مفرّق، والمغرب لا تزال مستويات التنمية والحرية فيه متدنية.

أوروبا وضعت حدا لحروبها الدينية بين البروتستانت والكاثوليك باتفاقية وستفاليا 1648، التي أسست للدولة بشكلها الحديث، وأكملت الشعوب الأوروبية والأمريكية مشروع إقامة الدولة الحديثة، بثوراتها على مستبديها في بريطانيا، فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية. لتصل هذه الدول إلى درجتها الحالية من التقدم بعدما أدركت أنّ الحرية والتنمية هما مطلبا الشعوب الأساسيين.

فأَمَا آنَ للدول العربية أن تتخلى عن أجنداتها الأمنية والمذهبية غير ذات الفائدة، وتجعل من رهان اللحاق بالدول المتقدمة أولى أولوياتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد