يزداد في الآونة الأخيرة تهكم البعض على موقع انتشر مؤخرًا يُدعى «صراحة»، رغم إنه يدعو إلى المصارحة، وإبداء الرأي البنّاء، إلا أنه يعتمد إلى إخفاء هوية صاحب الرسالة؛ فاعتبروا ذلك منافيًا لرسالة التطبيق في الأصل وهي المصارحة.

أرى أن المشكلة ليست في «صراحة»؛ صراحة سيختفي وسيظهر من بعده كثيرون يماثلونه في تلبية رغباتنا الواقعية ببدائل افتراضية، بدائل أدت إلى تصاعد عدد الرسائل المتداولة من خلال الموقع إلى ملايين، وتصفح ما يقرُب من اثنين وتسعين مليون شخص للموقع، وإنشاء ما يقرب من مليون و400 ألف حساب في غضون أسبوعين فقط من إطلاقه! تبعًا لتصريحات مُنشئ الموقع التونسي «زين العابدين توفيق».

أما عن هذا العدد، فتباينت الأسباب التي دعت أصحابها لاستخدام هذا الموقع؛ إلا أن معظم الأسباب ترجع لمتعة التلاعب بالفضول البشري، وتجربة تلقي رسائل مجهولة المصدر، أو مواكبة كل ما هو جديد بغض النظر عن ماهية هذا الجديد، أو تلقي النقد البنّاء أو النصح في بعض الأحيان، ولكنهم اجتمعوا على رغبتهم المتزايدة بعدها في معرفة أصحاب الرسائل، التي صرح صاحب الموقع أنه لا يعرفها هو شخصيًا.

ومع هذا التزايد المتسارع لعدد مستخدمي الموقع، بدأت بعض الآراء تتعالى أن مواقع التواصل الاجتماعي في سبيلها إلى تدمير ما تبقى من شخصيات مستخدميها، لكنني ما زلت أرى المشكلة في شيء آخر؛ وهو تبادل الأدوار بين الافتراضية والواقعية، فعلى سبيل المثال «صراحة»، هو نفسه فكرة الرسائل القديمة التي كنا نُخفيها في دفاتر الآخرين دون ذكر أسمائنا أدناها، هو هدايا بلا عنوان أصحابها، هو نفسه النظرات القاتمة التي نوجهها للبعض دون القدرة على النطق بمعناها، صراحة هو البديل الافتراضي لكل البدائل الواقعية السابقة، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، هي لا تبني أو تهدم حياة، هي فقط تستبدلها؛ لا تهدم شخصية بل تستبدل تفاصيلها الواقعية بأخرى افتراضية، وتجعل منهما خليطًا غير متزن في بعض الأحيان، خليطًا جعل البعض ينتقدون مواقع التواصل الاجتماعي على أبرز صفحاتها التي هم من أنشط مستخدميها!

شئنا أم أبينا، بتنا ننتمي إلى عالمين بل عوالم، بات الخليط يميل إلى الافتراضية لغلبة تفاصيله –وإنه لشيء مخيف حقًا–، صار من الصعب فصل ذلك الخليط أو التخلي عنه، كل ما نملكه الآن هو محاولة السيطرة على ذلك الخليط حتى يميل إلى الواقعية؛ لذلك علينا التنبه لمعنى مصطلح الافتراضية، الافتراضية ليست بمصطلح حديث، أو مقترن بالإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، أو تلك العوالم التي دخلنا إليها مؤخرًا؛ الافتراضية في الكتب والروايات، وفي الأفلام والخيال، الافتراضية مصطلح اقترن وجوده بوجود الخيال، الخيال هو معقل الافتراضية، والخيال يسكن العقل ما دُمنا أحياء، الافتراضية ليست بالخيار الذي يمكن التخلي عنه، ولكنها ما زالت خيارًا، يجب أن نحسن التعامل معه، والسيطرة عليه؛ لأننا ما زلنا نملك عقولًا يجب أن تباغتها التفاصيل الواقعية، ونحمل قلوبًا يجب أن تداعبها الواقعية، ما زلنا نملك أنفسنا ونخشى أن تصبح افتراضية هي الأخرى، نخشى أن نستحسن عوالمنا الاختيارية تلك، ونختبئ بها ما بقي من عمرنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الارقام مصدرها تصريحات لصاحب الموقع في جريدة اليوم السابع
عرض التعليقات
تحميل المزيد