“يومي راح في الزحمة يابيه، البلد بتعذبنا” .

كان هذا مقطع من أغنية للفنان حمزة نمرة بعد تخطينا للخلاف الشهير في موضوع الموسيقى وحِلِّها من حُرْمَتها،والتي وصفت في اختصار بسيط حال كل مصري يقطن بلداً كانوا يسمونها ( أم الدنيا )، وإن كنا نتفق مع في أن البلد تعذبنا في كل شيء، وفى أبسط الأشياء: عذابًا في السجون، وعذابًا في أروقة المحاكم، وعذابًافي الروتين الحكومي، وعذابًا في الخدمات والمرافق، وعذابًا في التعليم، وعذابًافي المستشفيات، ولكن يبقى أعظم العذاب وأكبر الجنايات هي إضاعة الوقت وهدره على المواطنينفي ثنايا هذه العذابات جميعًا، فما العمر إلا وقت، إن ضاع ضاع العمر هدرًا بلا فائدة .

إلا أننا في هذا المقال نتناول عذاب زحمة المواصلات، وكيف نحوله من عذاب إلى رحمة، ومن هدرٍ إلى استغلال، ببساطة يضيع كثير من وقت الفرداليومي منا  منتظرًا أن تسنح له الفرصة ابتداءً بالحصول على مواصلة لجامعته أو لمقر عمله بدايةً، ومن ثم يقطع وقتًا آخر حتى يصل إلى المكان الذى يريد، وفى كل هذه الفترة يقف الواحد منا جامداً لا يزيدُ له شيء من علمٍ أو منفعة .

وبالنظر إلى متوسط الوقت الضائع من المواطنين في وسائل المواصلات المختلفة ستجد أقلهم لا يقل عن ساعة ذهاباً وإياباً، أنا شخصياً أقضى 3 ساعات يومياً على أقل تقديرفي المواصلات !

فلما لا نستثمر هذا الوقت الضائع قهراً، ونخطط له ونجعله من الأوقات الأساسية المُستغلة في يومنا، وإليك بعض النقاط التي قد تفيدكفي استغلال هذا الوقت الضائع .

1-أقرأ .

يقول عباس العقاد : “القراءة وحدها هيالتي تعطى الإنسان الواحد أكثر من حياة واحدة، لأنها تزيد هذه الحياة عمقاً، وإن كانت لا تطيلها بمقدار الحساب” .

وكما كانت أمتنا أمة  ” اقرأ ” وكانت أول كلمة نزلت علي سيد الخلق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) هي ” اقرأ ” فلم لا نقرأ، والفرق ما بين قارئ وغير قارئ هو الفرق ما بين الحياة والموت إلا أنها حياة عقولٍ، وموت عقول.

إن أعظم جريمة ارتكبناها في حق نفوسنا، قبل أن تكون الحكومات الاستبدادية سبباً فيها هي إحجامنا عن القراءة، والانحراف عن المعنى القرآني ” اقرأ “.

وحقاً أفضل شيء قد يُفيدكفي استغلال وقتك الضائع في المواصلات هو القراءة، نعم سينظر لك من بجانبك في المواصلات ويتعجب من سكونك وانغماسك في كتابك طيلة الوقت، ولكن لا تعبأ به وواصل قراءتك فعما قريب سيتضح الفرق بينك وبينه، وإن كنت من المتعديين بالخير، فانصحه بالقراءة.

قد لا يحب بعضهم حمل الكتب الورقية في المواصلات لصعوبة الأمر فلا تيأس فهناك آلاف من الكتبالإلكترونية، والتيقد أصبحت متوفرة الآن ومعظمها بالمجان فقط لو كنت تمتلك جهازاً لوحياً أو ما شابه تستطيع من خلاله تصفح هذه الكتب بكل بساطة، وهناك أجهزة صممت خصيصاً لهذا الأمر كجهازkindle  وغيره .

2- اسمع .

يقول أحد العلماء: “أنصف أذنيك، فقد جعل الله لك أذنين، وذلك لتسمع أكثر مما تتكلم” .

إذا لم تكن من هواة القراءة، فإن الأمر لم يفتك أيضًا، فعليك بسماعة الأذن، فهناك أيضاً آلاف من الكتب التي تم تحويلها إلى كتب صوتية تستطيع سماعها أيضاً بكل سهولة من موقع مثل soundcloud أو audiobooks أو من موقع ( أقرأ لي ). كل هذه المواقع تحتوي على الآلاف من الكتب الصوتية التي تستطيع سماعها بدلاً من  القراءة التي قد يراها بعضهم مملة.

3- خذ نبذة عن التاريخ .

من يدرس التاريخ يعش عمره، وأعمار الأمم التي درس تاريخها، وكيف لا وقد استخلص بدراسته هذه خلاصة هذه الأمم وعوامل قيامها وسقوطها ، وكيف تبنى الحضارات وكيف تنحسر وتنهزم .

هناك موقع أكثر من رائع للدكتور راغب السرجاني المتخصص في التاريخ الإسلامياسمه ( قصة الإسلام )، يوجد به الكثير من السلاسل التاريخية، والتي شملت معظم إن لم يكن كل الحقب التاريخية الإسلامية، فقط حمّلها واستمتع بها في وقتك الضائع في المواصلات، فستثبت عندك الكثير من الأحداث التاريخية التي من الصعب الإحاطة بها من خلال كتب التاريخ.

4-  تعلم على الإنترنت .

يقول سيدنا على رضى الله عنه: “ما مات من أحيا علمًا، ولا افتقر من امتلك فهمًا”

أياً ما كان تخصصك، أو اهتماماتك حتمًا ستجد دروسًاتفيدك على مواقع قد خُصصت للتعلم على الإنترنت في كل المجالات، فقط زر موقعاً مثل موقع coursera ، أو udemy أومنصات عربية مثل منصة ( رواق)  أو (إدراك) ، والأمثلة كثيرة .

اختر ما يفيدك وابدأ التعلم، خاصة بعد أن أصبح الإنترنت متوفرًا الآن على معظم الهواتف المحمولة .

5- تعلم ما لا يسعك جهله .

تكتظ مواقع مثل اليوتيوب أو Sound cloud  وغيرها من المواقع الدينية والدعوية بالدورات العلمية الشرعية في كل فنون العلم الشرعي، فعليك بأحد هذه الدورات وشاهدها أيضًا أو اسمعها في وقت مواصلاتك فستفيدك حتماً، فهناك بعض الأمور الشرعية التي لا يسعك أن تجهلها، لأن بغيرها لا تصح عباداتك، أو اعتقاداتك، فتعلم واخرج نفسك من دائرة العابد الجاهل إلى دائرة العابد العالم .

6- تملص من معارفك في المواصلات .

إن عزمت على فعل أيٍّ من هذه الأشياء السابقة، وتصادف أن ركب معك أحد معارفك في المواصلات، فحتماً ستُلغى كل هذه الخطط والأشياءالنافعة، لأنه لن يكون لائقاً أن تتركه وتضع سماعة الأذن لتستمع إلى كتابك الصوتي، أو إلى أحد السلاسل التاريخية، ولن تغمس رأسك في كتابك الورقي أو الإلكتروني، وتتركه هكذا يتأمل السيارات، حتماً ستتجاذب معه أطراف الحديث.

فحاول جدياً أن تتملص منهم لكى تستطيع القيام بمثل هذه الأعمال الأكثر إفادة بالطبع من تجاذب أطراف الحديث مع أحد معارفك، اللهم إلا أن يكون مثلك مؤمناً بأهمية استغلال هذه الأوقات.

وفى النهاية قد يقول قائل أننا نضيع أوقاتاً أكثر بكثير من تلك الضائعة في المواصلات، ولكنه كما يقولون ” ما لا يدرك كله، لا يترك كله”، فاجتهد !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد