استغلال المرأة قديم جدًّا في التاريخ البشري واتخذ عدة أنماط متعددة، ولعل كتاب «مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور» لمصطفى حجازي يعد أحسن مرجع لتشريح واقع المرأة العربية، والمغربية بالأخص؛ فالمرأة هي أكثر المخلوقات تعرضًا للتبخيس على جميع الأصعدة: في الجنس والمكانة والإنتاج والفكر.

ورغم أن المرأة تمثل رمزًا للأمومة والحنان والحب والطيبة، إلا أنها أكثر تعرضًا لكل أنواع التبخيس والاستغلال، فكما أورد حجازي أن المرأة تتعرض لأنواع عدة من الاستغلال من خلال إسقاط كل الصفات المجتمعية السلبية عليها مثل: العار والضعف، ولا يستثني هذا الاستغلال أي طبقة اجتماعية ففي الطبقة الغنية رغم الوعي المرتفع فيها، فإن المرأة تتعرض لأشكال متعددة من القهر والاستلاب، فهي أداة زيادة سطوة الأسرة الثرية وبسط نفوذها من خلال المصاهرة، فالمرأة في هاته الطبقة لها دور واحد لكنه جوهري، وهو استعراض جاه الأسرتين وثروتهما والتباري في الدعاية لحجم الإنفاق، خصوصا في المناسبات العائلية الفخمة، ومن ثم تتحول المرأة إلى وسيلة للدعاية في كل مستجد الأثاث، والسلع، واللباس، وأداة للجاه. أما في الطبقة المتوسطة فيتخذ الاستغلال اشكالًا أخرى، فبالرغم من الثقافة المحترمة لهاته الطبقة ووعي كلا الجنسين بأدوار المرأة الحيوية في المجتمع، فهي ما زالت محافظة مقيدة داخليًّا مع تحرر ظاهري، فتخشى المرأة تحمل مسؤولياتها وفرض ذاتها أمام عظم التحديات وكبر المهمة، فتتراجع إلى الوراء إلى أدوارها التقليدية.

أما في الأوساط الفقيرة جدًّا، فوضعية المرأة أشد سوءًا، فهي المستغلة في كل جانب وناحية، حيث تحمل المرأة كل صور المهانة وتتحول إلى المعبر عن القصور والعجز، فهي تلعب دور الكائن العاجز القاصر والتابع للرجل المحتاجة إلى وصي، وليس لها من وسيلة لمجابهة هذا الواقع سوى بالدعاء والرجاء والتمني والتوسل بالوسائل السحرية، حيث تمثل في هذه الطبقة العيب والعار والحاجة إلى السترة.

وكما تستغل المجلات الدعائية والشركات الرأسمالية جسد المرأة الجذاب في الترويج للمنتجات المختلفة عبر الإشهار والبيع والشراء العلني والسري، مقتنعة أن المستهلك لا ينجذب إلا بالجسد العاري أو الملابس الفاتنة، فإن الأمر انسحب كذلك إلى الجانب الرياضي؛ حيث تستعمل المرأة وسيلة للترفيه قبيل المباريات وأثناءها وفي ختامها، في رياضة الملاكمة وكرة السلة بالخصوص، بل إن مظاهر الاستغلال تفرضه شركات كبرى تضغط على الاتحادات الدولية في مختلف الرياضات كألعاب القوى أن ترتدي لباسًا كاشفًا لجسد المرأة بشكل واضح هدفه الربح المادي الصرف، واستغلال جسد المرأة. هذا الاستغلال انسحب إلى المجال السياسي، حيث عمدت مجموعة من الأحزاب المغربية على استقطاب الحسناوات منهن ووضعهن في أبهى صورة لجذب الناخب المفتتن بجمال المرأة، كما يعتقد مهندسو هذه اللوائح، بل إن هذا الاستغلال للمرأة في الحملات الانتخابية أضحى منافسة من يستقطب الأجمل والأصغر سنًّا والأكثر وسامة وجاذبية، طبعًا النساء مسؤولات أمام هذا الأمر، لكن ضيق الحال واستغلال فقرهن وحاجتهن إلى المال دفع بهؤلاء إلى وضع صورهن في حملات انتخابية بغية تحقيق الشهرة والإشهار لهذا الحزب السياسي أو ذاك، والأكيد أنها ظاهرة سلبية، فالتعامل مع المرأة في المجال السياسي يجب أن يكون مبنيًّا على العطاء وعلى المناصفة الحقيقية القائمة على الكفاءة الفكرية والنضالية والسياسية لا الجسدية، فكما أن هناك مناضلين رجال، ثمة مناضلات بنون النسوة يقتحمن المجال السياسي عن جدارة وعن إقناع وقدرة على مجاراة الرجل في مجال كان حكرًا عليه في الماضي.

ولعل العقم السياسي الذي تعاني منه الأحزاب وانحسارها وعدم قدرتها على تأطير النساء ومواكبتهن دائمًا، هو السبب في هاته السلوكيات إبان الانتخابات في محاولة لجذب الناخبين عبر استغلال المرأة وجسدها أداة لحصد الأصوات والتعريف بالأحزاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد