«قع رجال»  أو كن رجلًا هو وسم انتشر بين رواد وسائل التواصل الاجتماعي اليمنيين كجزء من حملة لمحاربة ظاهرة التحرش بالنساء في اليمن. لم يكن إبداع الناشطين في إنتاج وسائل تسلط الضوء على ظاهرة التحرش وتحارب فكرة أن للرجل الحق في فعل ما يريد «الرجل لا يعيبه شيء»  وأن الملام دائمًا المرأة لظهورها بمظهر «غير ملائم» رغم أنها الضحية أكثر ما لفت انتباهي، بل كان تسليط الضوء على الظاهرة في مجتمع لم تعط فيه هذه الآفة ما تستحقه من اهتمام على الرغم من استفحالها وما كسبته من انتباه في الفترة الأخيرة حول العالم. كانت قراءة تعليقات وتفاعلات الناس حول هذا الموضوع بمثابة عينة لآراء الناس وإن كانت هذه العينة تمثل الشريحة الأكثر انفتاحًا في المجتمع المتفائلة على مواقع التواصل الاجتماعي والمستعدة لمناقشة هذا الموضوع رغم كونه سمة من أبرز سمات المجتمعات الذكورية. كان من المتوقع رؤية التعليقات التي تدافع عن حق الرجل في فعل ما يريد كونه لا يعيبه شيء أو تلك التي تدعو إلى توعية النساء بأهمية الانتباه لمظهرهن وأماكن وجودهن كحل للمشكلة لكنني أجد أن طرح هذه الأفكار في اليمن غير مقبول لكونه غير مقبول فحسب بل لكونه أمرًا مثيرًا للضحك والاستغراب والواقعية.

إن النظر هو بوابة الإثارة الأولى بالنسبة للرجل لهذا لا يمكن إنكار فكرة أن مظهر المرأة هو ما يثير الرجل لكن مسؤولية الرجل هنا كإنسان في أقل تقدير هي التحكم في أفكاره وكبت رغباته ومنع تحولها إلى أفعال أو أقوال. إن مسؤولية الرجل في التحكم في أفعاله أمر مفروغ منه وكثر الحديث عنه وهو مسألة جوهرية في كثير من البلدان التي تفتقر فيها النساء لأبسط معاني الحياء، لكن إثارة مسألة دور مظهر المرأة في اليمن أمرٌ غير واقعي.

اليمنيون مجتمع محافظ يسود بين نسائه ارتداء الحجاب ولبس العباءة بل وينتشر بينهن غطاء الوجه ويطغى على ثيابهن اللون الأسود لهذا يصعب أن أتصور أن الرجل في هذه الظروف قد يصل لدرجة من الإثارة تجعل من كبت ما يدور في نفسه تحديًا. كذلك فالمجتمع اليمني يربي أبناءه على فصل الجنسين ويحدد العلاقة بينهما إلى أقصى الحدود فيجعل من مجرد الحديث مع الجنس الآخر أمرًا غير هين وعلى الرغم من عدم اتفاقي مع هذه التنشئة واعتقادي أنها سبب في مشاكل مجتمعية كثيرة منها التحرش كونها تحاول في بعض الأحوال الجعل  من فطرة لدى البشر في الانجذاب للجنس الآخر عيبًا إلا أنه من المتوقع أن مجتمعًا لا يستسهل فكرة كحديث الرجل للمرأة لن يجرؤ فيه أحد التعدي على الجنس الآخر. 

إن الأمر الإلهي للنساء بإخفاء زينتهن إنما جاء كوسيلة مساعدة للرجل في التحكم في أفعاله ونظراته ولغلق الباب أمام تعذر الرجل بأن زينة المرأة هي الدافع لأفعاله لهذا نجد أن الله أمر الرجل بغض البصر أولًا كون سلوك الرجل هو الأساس في تقويم العلاقة بين الجنسين.

إن غياب مراقبة الرجل وتحكمه في ذاته سواء أكان ذلك بدافع ديني أو أخلاقي هو الدافع الحقيقي للتحرش وليس العوامل الفسيولوجية الأخرى وفي ظل اعتقاد الرجل بأنه غير ملام يستحيل حل علاج التحرش حتى لو وضعت النساء في سترات مصفحة. إن ما يحتاج التغطية هو عورة الفكر حينها ستستقيم أفعال الرجل مهما تكشفت أمامه من عورات. كذلك فإن على النساء الإيمان بأن الحجاب إنما هو امتثال لأمر الله -وهذا دافع أكثر من كاف- وألا تلوم نفسها إن كانت ضحية التحرش لكن في الوقت ذاته عليها أن تؤدي دورها في إعانة الرجل على نفسه. يجب تنشئة الأجيال الجديدة بعيدًا عن الأفكار القديمة التي تفصل الجنسين وتربيتك على نبذ فطرتهم في إطار يحافظ على الحدود المتفق عليها دون الأفكار القديمة التي كانت نتيجتها مظاهر سلبية كالتحرش واللامساواة وهي تتناقض مع ما وجدت هذه الأفكار لأجله.

في الأخير سأجيب عن تناقض قد يشعر به القارئ في أن الأفكار التي يتضمنها هذا المقال تتنافى مع عنوانه الذي ربما استفز  البعض حين قرأوه. «الحلوى المكشوفة لا يقع عليها إلا الذباب» تلك الجملة المشهورة التي يستخدمها المتحرشون لسرد منطقهم. إنني بالتأكيد أختلف مع هذا المنطق ومع إسقاط هؤلاء لهذه الجملة لإبراز هذا المنطق لكنني أتفق مع التشبيهات المفردة التي تحتويها هذه الجملة. فهي تحتوي على حقيقتين في هذه الدنيا: النساء حلوى والمتحرشون كما يصفون أنفسهم ذباب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد