كثيرًا ما يتردد مصطلح «حرية التعبير» لدرجة تعمي الأبصار. فبين مؤيد ومعارض، ومؤيد مع استثناءات، ضاع عنا شيء غاية في الأهمية وهو التعبير نفسه؟

إن غياب مفهوم محدد ومعايير واضحة للتعبير هو عين المشكلة التي لا ننتبه لها، وكأننا مطالبين بأن نمنح حق الحرية لمن يتفوه بأي شيء وكل شيء!

فكيف بأشهر القنوات المدافعة عن حرية التعبير إذا ما استضافت رجل قرر – على سبيل المثال – الترويج لمعلومات مغلوطة حول فيروس كورونا؟ أو عرض صورًا عارية؟ أو تحدث بكلام ولغة غير مفهومة؟ أو انفعل وتلفظ بسُباب وشتائم!

فهل سيسمح له باستكمال الحديث وفق مبدأ حرية التعبير؟

وهل التعبير قيمة في ذاته أم أنه وسيلة لغاية؟

«وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»

تلك هي الغاية «التعارف»، والذي لا تتم إلا بالتواصل والتبادل، وإن كان التبادل يتحدد بالمصلحة والمنافع المادية، فإن التواصل يمكن النظر إليه في بعده العملي؛ حيث اللغة المنتجة والمبدعة لأساليب الاتفاق والتفاهم التي تهدف إلى تحقيق التوافق. ولا بد من عقلنة عملية التواصل، من أجل مزيد من تحقيق التفاعل بين الناس، من خلال دعم التواصل اللغوي الهادف إلى التفاهم المتبادل وفق قواعد أخلاقية تحكم العملية التواصلية حسب معايير متفق عليها.

وقد ذهب يورجن هابرماس (الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني) إلى تحديد شروط التواصل والمطالب الأساسية لفهم الأقوال والتعبيرات ولسلامة اللغة، من خلال اعتبار النشاط التواصلي يحدث في علاقة تفاعلية بين فردين أو أكثر داخل سياق العالم المعاش. وعليه، كان لكل فرد قادر على التكلم الحق في أن يشارك في النشاط التواصلي، كما تتمّ عملية التواصل من خلال اللغة التي تعدُّ الوسيط الأساسي في هذا النشاط؛ لكونها الوسيلة التي تقود إلى التفاهم عن طريق توظيف الجمل والعبارات. وعليه وجب استيعاب أن التجربة التواصلية تهدف إلى بلوغ اتفاق بين الذوات المتشاركة، ومنه يكون تقارب وجهات النظر مطلبًا ضروريًّا في الوقت الذي تكون فيه العملية التواصلية مبنية على أرضية ديمقراطية حوارية، خارج أي شكل من أشكال الضغط وقمع الرأي الآخر.

عقلانية التواصل تلك أسندها هابرماس إلى أخلاقيات المناقشة، فالفاعلية التواصلية تتحقق بقدر ما يحدث من تفاهم وقبول متبادل بين الأطراف المشاركة في التعارف عن طريق البرهان، والذي يستلزم ثلاثة مبادئ أساسية وهي: الحياد، ومعقولية الخطاب، والمسؤولية.

ودعنا نربط ما حدده هابرماس من مبادئ بما جاء في سورة الحجرات والتي تنقسم إلى ثلاث مجموعات، كل مجموعة تحوي ثلاث توجيهات واضحة يمكن عنونتها كالتالي:

الحياد:

يتمثل مبدأ الحياد فيما أقره القرآن من قاعدة «فتبينوا» في دعوة واضحة بضرورة الحياد الموضوعي العقلاني عندما يأتينا فاسق بنبأ ما؛ حتى نتبين منه ونتأكد من مصداقية ما يقال.

ثم بعد ذلك التوجيه التالي عند نشوب النزاع وهو «الإصلاح» بين الفرقاء المتخاصمين مما يتطلب حيادًا، ولكنه ليس حيادًا سلبيًّا بل إيجابيًّا، فهو حياد لا يقف أمام الفئة التي بغت موقف المتفرج بل موقف المقاتل «فقاتلوا التي تبغي» فإن عادت إلى رشدها يأتي التوجيه الأخير في هذه المجموعة «وأقسطوا» والقسط الذي أمر الله به هو الحكم بالعدل، والمقسطون هم أهل العدل في حكمهم وفي أهليهم وفيما ولاهم الله عليهم، وأقسط أي عدَّل في الحكم، وأدِِّ الحق. وهو ما يتطلب حيادًا عقلانيًّا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أو الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فَاللَّهُ أولَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:135]

معقولية الخطاب:

وهنا نجد مثالًا آخر في السورة نفسها لمجموعة الآيات التي يمكن أن توصف بأنها خاصة بالحفاظ على معقولية الخطاب أثناء العملية التواصلية، والتي تهدف للتعارف بين الشعوب والقبائل. وهي «لا يسخر» و«لا تلمزوا» و«لا تنابزوا»، وقد يظن البعض أن مسألة السخرية هي مسألة هينة، لكنها ليست كذلك، فهي ذات بُعد معرفي شديد الخطورة؛ ذلك أن السخرية تهدف بوعي أو بدون وعي إلى نزع القداسة عن الآخرين وجعلهم مجرد مادة للفكاهة وهو نوع من استباحة الآخر، واغتياله معنويا وقد يتبعه ذلك اغتيال مادي! وشواهد الواقع تؤكد ذلك؛ فكم من مجازر ارتكبت في حق معارضين سياسيًّا بعد فترة من اتخاذهم مادة للسخرية إعلاميًّا!

فالسخرية لا تقوم بها حجة ولا يقام عليها حجة، وهي الوجه الآخر لخطاب الكراهية، لكنه وجه أكثر خبثا ومكراً فالعقل الأداتي الذي استفرد بحياتنا الاجتماعية، ذو طبيعة سلطوية لا ينظر إلى الأشياء والأفراد إلا من خلال الضبط والتحكم والتقنين، بل ينظر إلى الطبيعة والواقع من منظور التماثل، ولا يهتم بالخصوصية، وينظر إلى الإنسان باعتباره يشبه الأجزاء الطبيعية المادية؛ فالإنسان بالنسبة للعقل الأداتي شيء ثابت وكمي

وبالتالي تصبح السخرية واللمز والتنابز نفيًا تامًا لمعقولية الخطاب لأن هدفها ليس المعقولية، إنما وسيلة لممارسة نزعة الكراهية لكل ما لا يخضع لقواعد الضبط والتحكم والتقنين الأداتي (من هنا نفهم سخرية الغرب من الرسول في الوقت نفسه الذي يسعي إلى تقنين الدين وضبطه والتحكم فيه! فهي محاولة لنزع القداسة وتفكيك للدين عبر نفي المعقولية ثم إعادة صياغته وفق قوانين وضوابط تُسهل من عملية التحكم فيه)

المسؤولية:

اخر تلك المبادئ هو المسؤولية والمقصود بها مسؤولية إنجاح عملية التواصل عبر التأكد من صدقية ما يُقال بالقدر المسموح به للتعبير عن حسن النوايا. ويأتي على رأس تلك التوجيهات مبدأ غاية في الأهمية وهو «اجتنبوا كثيراً من الظن» لأن بعضه إثم وليس كله لأن «مِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) [البقرة:204] و (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» [آل عمران: 118] فالتربص بالآخر وسوء الظن فيه يؤدي إلى تأويل أقواله وأفعاله على أسوأ نحو ممكن؛ مما يهدم عملية التعارف برمتها.

وآخر توجيهين هما «لا تجسسوا» «ولا يغتب» وكلاهما مما شاع في عصرنا الراهن فمع ازدياد التلصص وشوق الإنسان إلى معرفة المخفي عنه، ظهر الغلو في المراقبة، وتجاوزت المراقبة حدود الجسد الخارجي إلى السعي لمراقبة باطن الإنسان وضميره ومعتقده، ومع تضخم الرقابة انتقل الإنسان المعاصر فردًا ومؤسسة إلى المساحة الخطرة وهي أن يطلب الإحاطة الكاملة ليمتلك الضبط والتحكم والتقنين مرحلة وسيطة قبل تسخير الجميع. رغم أن الأصل في الإنسان أنه كائن مستور غير مكشوف حيًّا كان أو ميتًا، والأصل أنه لا وجود لستر بغير وجود سر، وإذا كان الأمر كذلك فكثرة الأسرار تشير إلى ضرورة الأستار، والرقابة تهتك الأستار لتعرف الأسرار، فتصير المراقبة خرقًا لوجود الإنسان، وسعيًا لفضحه عبر اغتيابه.

هكذا نخلص إلى أهمية الأخلاق شرطًا أساسيًّا للعقلنة والتواصل

فبدلًا من الدفاع عن حرية التعبير الذاتية، فإن الأولى الدفاع عن معايير التعبير المؤسسة على أخلاقيات المناقشة. ورأينا كيف أن توجيهات سورة الحجرات يمكن أن تشكل أعمدة لعملية التواصل بهدف التعارف، وهو المقصد النهائي الذي أراده الله لبني آدم من شعوب وقبائل.

والله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد