يمكن للدولة عمومًا تمويل نفقاتها عن طريق الموارد التي تتحصل عليها إجمالا من الضرائب والرسوم التي تفرضها على مواطنيها سواء الذاتيين كالأشخاص العاديين أو المعنويين أي الشركات.

لكنه، وأثناء تهييئ الموازنة السنوية أو ما يصطلح بها بقانون المالية، تجد الدولة بأن الموارد لا يمكنها تغطية كافة النفقات وهو ما يضطرها الى إيجاد السبل الكفيلة لتغطية هذا الفارق والذي يسمى بالعجز في الميزانية.

من بين الوسائل التي تتجه إليها الدول لتغطية التباين الحاصل بين النفقات والموارد نجد إمكانية فرض ضرائب جديدة. هذا الخيار يمكن اعتباره خيارًا حساسًا إذا لم يكن مدروسًا كفاية. فرفض ضرائب جديدة قد يؤدي من جهة المواطنين إلى الخروج إلى الشارع والتظاهر رافضين إثقال كاهلهم بضرائب جديدة هم أصلا في غنى عنها. و من جهة الشركات، فرفض ضرائب جديدة قد تؤدي الى تراجع تنافسية الشركات لأن هذه الضرائب الجديدة ستؤدي حتمًا إلى رفع الأسعار.

ومن أجل تجنب هذه المشاكل، تلجأ الدولة إلى خيار المديونية. هنا يجب القول إن الدول تتوفر على إمكانيتين، إما طلب المؤسسات البنكية والمؤسسات الدولية خطوطًا ائتمانية أو قروض أو، و هنا الإمكانية الثانية، الاستدانة من المؤسسات البنكية وشركات التأمين، إلخ العاملة على التراب الوطني، بل يمكن أيضًا الاستدانة من الأشخاص الذاتيين عن طريق طرح قرض للاكتتاب.

وعلاقة بالموضوع الذي نحن بصدده والمتعلق باستدانة الدول العربية من الخارج، فقد التجأت الدول العربية إلى الخارج سواء الحكومات أو المؤسسات البنكية الدولية من أجل سد حاجياتها من الأموال.

انطلاقا من الرسم البياني المبين أسفله يمكن القول بأن الدول العربية تعرف تباينًا فيما يخص اللجوء إلى الخارج. هناك دول ذات مديونية خارجية مهمة وأخرى أقل. فمصر مثلا، على مدى الخمس عشر سنوات السابقة، لديها مديونية خارجية مرتفعة مقارنة بباقي الدول العربية. فقد ارتفعت المديونية الخارجية المصرية بين 2012 و 2013 بحوالي 25 بالمائة حيث انتقلت من 34.3 مليار سنة 2012 إلى 43.2 مليار سنة 2013 و يعزى ذلك، حسب بعض المصادر(1)، إلى اعتماد الرئيس المعزول مرسي على الديون الخارجية القادمة من الدول الداعمة لإنعاش الاقتصاد المصري ولتوفير احتياجات الدولة من العملة الصعبة. في ذات السياق هبطت موجودات مصر الخارجية إلى أدنى مستوى لها سنة 2011 و هو ما يندر بقرب كارثة اقتصادية لا سيما أن الدولة مرتبطة بشدة بالخارج فيما يخص الاستيراد وخدمة دينها العمومي، علاوة على تراجع عائدات السياحة الذي ساهم في تفاقم الأزمة.

وبتحليل أكثر للدين الخارجي المصري نجد أن القطاع الحكومي يستحوذ على حوالي 68.5 بالمائة من إجمالي الدين الخارجي بينما تتقاسم كل من السلطة النقدية، البنوك و بعض القطاعات الأخرى ما تبقى من الدين أي 31.5 بالمائة. بالنسبة للدائنين، تعتبر بعض الدول العربية (قطر، ليبيا و السعودية) إضافة إلى المؤسسات الخارجية أكبر دائني مصر بينما تتقاسم، بنسب مختلفة، دول أخرى كفرنسا، أمريكا، ألمانيا، اليابان و المملكة المتحدة، علاوة على دائنين آخرين، الباقي (2)

وعلى نقيض ذلك، فقد عرفت مديونية الجزائر الخارجية انخفاضًا هامًّا نتيجة لتوجه الدولة الجزائرية الرامي إلى خفض ارتباطها المالي بالخارج وما يسببه ذلك من تدخل في شؤونها وسياساتها الداخلية. وقد ساهمت أسعار البترول التي تجاوزت حاجز المائة دولار مساعي الدولة الجزائرية. لكن مع الهبوط الحاد الذي شهدته أسعار المحروقات هذه الأيام فالجزائر تعاني من مشاكل مالية جمة أدت إلى تأخيرها لمجموعة من المشاريع والعمل على إصدار قانون مالية تغييري، وهناك أيضا مساع للحصول على قروض من دولة الصين الشعبية.

من جهة أخرى نلاحظ أن مديونية المغرب، التي انخفضت بشكل مهم إلى حدود سنة 2005

قد عرفت ارتفاعًا مهولًا منذ ذلك الحين. يفسر ذلك بهشاشة الاقتصاد المغربي واعتماده على موارد محدودة كمداخيل تصدير الفوسفات ومشتقاته والمنتوجات الفلاحية، وتتسم هذه المنتوجات بقيمتها المضافة الضعيفة مقارنة مع المنتوجات المستوردة. من جهة أخرى، فإن الفاتورة الطاقية تستنزف إمكانيات المغرب. لكن في، السنوات الأخيرة، يلاحظ اهتمام كبير لدى السلطات الحكومية من أجل تحديث الاقتصاد والتركيز على تطوير صناعات تتميز بقيمتها الإضافية المهمة كصناعة الطائرات، السيارات، إلخ دون إغفال تطوير الإنتاج الفلاحي عن طريق استراتيجية قطاعية سميت بالمغرب الأخضر. ومن شأن هذه الاستراتيجيات أن تعزز القدرة التنافسية للاقتصاد المغربي في الخارج وتوفير موجودات خارجية مهمة متأتية من التصدير و بذلك ينخفض الطلب على الرأسمال الخارجي.

نفس الشيء يمكن قوله بالنسبة لمديونية لبنان الخارجية و التي شهدت ارتفاعا مهولا. فقد شكل الدين العمومي اللبناني سنة 2003 ما يقارب من 185 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي مما يجعل البلد استثناء على الصعيد العالمي في ذلك الوقت. ويرجع السبب لتوجه لبنان إلى الخارج من أجل الحصول على التمويل اللازم لإعادة إعمار البلد ابتداء من التسعينيات. و بلغت خدمة الدين العمومي اللبناني سنة 1992 ما يقارب 44 بالمائة من عائدات الصادرات، ليصل إلى 391 بالمائة سنة 2000 ليتراجع بعد ذلك إلى 212 بالمائة سنة 2003. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة الدين العمومي الخارجي مطلع التسعينيات كانت ضعيفة إذ لا تتجاوز 404 مليون دولار سنة 1990. لكن مع وصول الرئيس الحريري إلى كرسي الرئاسة تصاعد الدين الخارجي إلى مستويات قياسية والسبب، خاصة ابتداء من 1999، هو رغبة الحكومة اللبنانية في تحويل جزء كبير من الدين العمومي الخارجي إلى داخلي (4).

فيما يخص موريتانيا تشير الإحصائيات إلى أن مديونيتها الخارجية ضعيفة مقارنة مع باقي الدول، لكن بتفقد ناتجها القومي الإجمالي نجد أن هذه المديونية الخارجية تشكل 76,4 بالمائة من الناتج القومي الكلي سنة 2013، 76,6 بالمائة سنة 2014، لترتفع إلى مستوى 84,2 بالمائة سنة 2015 .(5)
تجدر الإشارة إلى أن موريتانيا قد استفادت من إلغاءات متعددة لمديونيتها وأن أكبر دائنيها هو الصندوق السيادي الكويتي.

وفي حالة دولة الأردن، فالمديونية الخارجية متحكم فيها نسبيا وتظل تقريبا ثابتة إلى حدود 2012 حيث بدأت في الارتفاع. فقد شكلت سنة 2012 حوالي 22 بالمائة من الناتج القومي الإجمالي (6) وهو مستوى يمكن اعتباره أكثر من مريح. بخلاف الدين الخارجي، فالدين الإجمالي للأردن قد وصل مستوى يتطلب معه أخذ الاحتياطات. فهذا الأخير يشكل 80 بالمائة سنة 2012 وحوالي 90 بالمائة سنة 2015.

في النهاية يجب القول بأن جل اقتصادات الدول العربية هشة نظرا لعنصر التبعية المتمثل في الاعتماد على الخارج لتلبية معظم الحاجيات من المواد والرأسما، فالمواد المصدرة مثلا تتسم بضعف قيمتها المضافة وتتقلب بتقلب السوق الدولية. الدول المصدرة للبترول مثلا ذاقت الويلات بسبب اندحار أسعار البترول إلى مستويات قياسية، ولولا الموجودات الخارجية التي راكمتها إبان فترة ارتفاع سعر هذه المادة عندما كان البرميل يباع بأكثر من مائة دولار، لشهدنا هذه الدول غارقة في الديون.

تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن تحليل الدين العمومي الخارجي للدول بصفة عامة مع إغفال تحليل مؤشرات الاقتصاد الكلي كقيمة الصادرات وقيمة الموجودات الخارجية. فقد نجد دولة ما غارقة في الديون لكنها تتوفر بالمقابل على موجودات خارجية مهمة يمكنها توظيفها في تسديد ما بذمتها. هناك متغيرات أخرى كسمعة البلد على الصعيد الخارجي والنقط التي تمنحها وكالات التنقيط والتي تمكن البلدان من الحصول على قروض بمعدلات فائدة مناسبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد