التحليل المنطقي الذي نستطيع تقديمه حول التدخل الخارجي لمواجهة تنظيم الدولة داعش هو أن أي تدخل خارجي وتحديدًا وجود قوة على الأرض هو أمر بعيد كل البعد، بغض النظر عن وجود تهويل إعلامي لا يستند على الدقة والموضوعية، وهذا ما يوضحه لنا موقف إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وأمريكا حيال الأزمة الليبية في الوقت الراهن. والحد من توسع تنظيم الدولة «داعش» في البلاد، فما زالت القوى الخارجية تنتظر ولادة حكومة الوفاق الوطني، والتي تتكون من خليط الأطراف الفاعلة والمتنازعة في المشهد الليبي، وهنا نطرح معادلة الغرب حيال ليبيا كالآتي:

إن الاستعجال بالتدخل العسكري في ليبيا وفي ظل انقسام حول القبول بحكومة الوفاق أو رفضها سينتج عنه تحالف الجماعات المستندة في أيدولوجيتها إلى الإسلام ضد هذا التدخل، والذي سيوصف بأنه حرب صليبية ضد الدين، وهنا لا نستثني الجماعات المؤيدة لحكومة الوفاق، لأن المواقف تختلف حسب المعطيات سياسيًّا، وهذا ما سوف يسبب توسع أكبر لتنظيم الدولة من حيث الاتفاق على مواجهة العدو المشترك، أي الدول التي ستتدخل عسكريًّا في البلاد. ونستند في هذا الكلام على تجربة جماعة الإسلام السياسي في بنغازي والتي أنضجت انسجام بين تنظيم الدولة ومجلس شورى ثوار المدينة عندما توحد عدوهم حفتر وأصبح الهدف واحدًا مع اختلاف المبادئ والفهم الديني بينهم.

بهذا سيكون التدخل غباءً، وبالتأكيد هو أمر بعيد الاحتمال بالنسبة للغرب مع التلويح به من حين إلى آخر للضغط على الأطراف الرافضة للاتفاق وحصرها في موقف القبول بالحكومة أوالتدخل الغربي لمحاربة توسع تنظيم الدولة.

فالتدخل العسكري في ليبيا دون التنسيق مع جسم سياسي يستظل به الغرب سيزيد من هيمنة التنظيم وانتشاره، ولا نستبعد هنا حدوث هجمات في قلب العواصم الأوروبية كرد عنيف على التدخل العسكري، وهذا ما تؤكده تهديدات عناصر التنظيم في ليبيا في عدة إصدارات توعد فيه التنظيم إيطاليا ومن أسماهم بالصلبيين، بالهجمات الانتحارية.

وكانت الضربة الجوية الأمريكية في صبراتة خير دليل عندما أشعلت فتيل التنظيم في المدينة، ووسع من عملياته جنوب ليبيا ليصبح له تمركز في ولاية فزان، وكذلك الرد العنيف من الخلايا النائمة في مدينة بن قردان التونسية التي تقع حدوديًّا مع ليبيا، وهذا ما يؤكد استبعاد هذا التدخل المباشر قبل وجود حكومة الوفاق فعليًّا وشكليًّا لتطفي شرعية للعمليات العسكرية والتدخل الخارجي في ليبيا، وكذلك انخراط أكبر عدد من التنظيمات والجماعات المستندة في أيدولوجياتها للإسلام «جماعة الإسلام السياسي المعتدل» في هذه العمليات لتكون أشبه بالمساعدة الدولية، وبمبرر أن هذه الجماعات والتي تحصلت على مناصب في الحكومة التوافقية هي من طلبت التدخل، وهنا نستند على تصريحات وزراء الدول الكبرى والتي ذكروا فيها أكثر من مرة أنهم لا يمانعون التدخل «لو» طلبت حكومة الوفاق ذلك.

-النقطة الأخرى وهي التي تجري الآن، أن المخطط سيكون دعم مشروع حكومة الوفاق وإنجاحه ولو بالقوة حتى تنتج انسجامًا واتفاقًا بين الأحزاب والجماعات التي تستند في أيدولوجيتها إلى الإسلام المعتدل، وبين باقي الأطراف وسيكون التدخل بالدعم اللوجستي وبالمعلومات وتسليح أغلب التشكيلات المسلحة التي سيكون لها دور في محاربة التنظيم، وهذا سيحدث بالتنسيق الشكلي مع حكومة الوفاق ليكون التدخل مبررًا، وسيكون أقصى أشكاله هو استهداف تمركزات التنظيم بالطيران الحربي فقط، وستمنح بعض الدول الكبرى دورات عسكرية لبعض الفصائل المسلحة في محاولة لخلق انسجام وتوافق بينها وبين القوى العسكرية التابعة لحفتر.

فالغموض لا يخيم على موقف الغرب إزاء ليبيا، وإنما هو انتظار وبتكتيك وحنكة لمحاربة التنظيم ومنع توسعه، والخروج بأقل خسائر وبحكومة وصايا من الدرجة الأولى وموالية للغرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد