كان أبي رجلًا ديمقراطيًا للغاية، فرغم انتمائه وتعصبه الشديد للزمالك، فإنه كان يدع أمي أحيانًا تسقينا الماء في أكواب كتب عليها باللغة الإنجليزية عبارة «أنا أحب الأهلي»، أما أنا فكنت الطفل الذي ولد في المنتصف، تحديدًا بين أب ينتمي إلى الزمالك وأم تشجع الأهلي دون وجود إخوة كبار لأحذو حذوهم، ولأن كرة القدم كانت تستهويني كثيرًا؛ فكان الأمر تحت اختياري وحريتي الشخصية تمامًا.

كطفل ساذج في أول مراحل عمره من النمو، لم يتخط عمره ما يتخطى سنوات اليد الواحدة، كنت أتميز عن باقي أقراني في السن ذاته بفهمي لأساسيات اللعبة، الملعب يتكون من 11 لاعبًا لكل فريق، لا يحق لأي شخص أن يلمس الكرة بيده داخل الملعب، باستثناء الحارس في منطقة جزائه، وباقي تلك الأشياء، لكني أبدًا لم أكن على دراية بأي شيء سوى أن أبي يشجع الزمالك وأمي تشجع الاهلي، وأنا في المنتصف تمامًا، لم أحدد موقفي بعد، غير أني متفرج.

كان التلفاز في تلك الفترة مكونًا من مجموعة محددة من القنوات، التي تبدأ البث في توقيت معين، ثم تنهيه في توقيت آخر، وتعرض تلك القنوات كل شيء، وفي تلك الفترة تحديدًا كانت تعرض مباريات معادة للمنتخب الوطني، أو مباريات مباشرة، ولم يكن يلفت انتباهي أحدًا قدر صاحب القميص رقم 14.

لاعب من طراز آخر، حسن المظهر يتفق على حبه الجميع، يفعل كل ما يحلو له، إن كان في يومه لن يستطيع أحد أن يوقفه، وإذا كانت القاعدة تنص على أن كثرة العدد تغلب شجاعة القلب؛ فهو الاستثناء الخاص بها، في حالتنا تلك اثنان أو ثلاثة لاعبين عليه وحده تعني أنه سيتخطاهم بسهولة، كان يلعب بكلتا القدمين كيفما يحلو له، أما أبي المتعصب للفانلة البيضاء ذات الخطين الحمر، رأيته ولأول مرة يشجع لاعبًا يرتدي قميصًا أحمر ويتحدث عن أسطورة قادمة تدعى حازم إمام.

كطفل ساذج رأى حازمًا يرتدي «تيشرت» المنتخب الأحمر اللون؛ فظن أن حازمًا لاعب في الأهلي، إذن فقد حسم حازم الصراع الدائر وأنهى القضية، أبي يشجع الزمالك وأمي تشجع الأهلي، أما أنا فأشجع حازم إمام وأشجع الأهلي؛ لأن حازمًا هناك، كنت أعي تمامًا أن الهدف من اللعبة هو المتعة، ولهذا كنت أسير خلف حازم، هو يعطيني المتعة الكافية التي أرغب فيها من اللعبة.

أشهر قليلة تمر، كانت الليلة ليلة دربي، الجميع في انتظار المباراة بفارغ الصبر، اللاعبون في الملعب، والجماهير في المدرجات، والعائلات كلها أمام التلفاز وكأنها حالة طوارئ، أما حازم فقد كان حينها محترفًا في الدوري الإيطالي، تلك كانت الوقائع، أما مخيلتي كطفل فإن حازم إمام نجم النادي الأهلي الذي أراه كثيرًا يرتدي التيشرت الأحمر سوف يلعب أمام الزمالك ويهزمهم، أمي ذهبت إلى المطبخ لتفعل أشياء غير مهمة بالمرة بالنسبة لي، وتركتني أشاهد المباراة مع أبي وابنة عمي فقط ثلاثتنا، اثنان يشجعان الزمالك، وأنا وحدي أشجع الأهلي، بدأت المباراة، ثم بعد قليل يحرز الزمالك الهدف الأول، تثور ثورتي وأبحث عن حازم فلا أجده، لماذا يخذلني اليوم تحديدًا، أرجوك لا تخذلني أمامهم اليوم، أين أنت، لا تسعفني الذاكرة لأتذكر ماذا حدث في باقي التفاصيل، إلا أن الزمالك يومها فاز بهدفين، وأنا كنت أبكي الأهلي وغياب حازم عن المباراة، أبي يبدأ بمساومتي ويستغل ضعفي لأصبح على هواه وأشجع الزمالك، أما أنا فثابت على مبدأي، أنا أشجع الأهلي، ولكي أضع تعجيزًا أمامه وإغلاقًا لأي محاولة منه تجعلني أشجع الزمالك، رميت بآخر الكروت التي أمتلكها.

«أنا لن أشجع الزمالك هذا أبدًا إلا إذا لعب ضمن صفوفه حازم إمام»، كان هذا صوتي مختلطًا بأنين البكاء وإصرار التمسك والعناد، أما أبي فقد كان يضحك، ثم قال ولكن حازمًا من الأساس يلعب في الزمالك بالفعل، وهنا أخذت القصة مسارًا آخر.

شرح لي أبي قصة حازم، وكيف أن القميص الأحمر الذي يرتديه هو قميص المنتخب وليس الأهلي، وأنه محترف وسيعود قريبًا، أما أنا فأصبحت زملكاويًّا إلى الأبد، وفي الوقت الذي كان يحلم فيه كل الأطفال أن يكبروا فيصبح منهم المهندس والطبيب والضابط، أنا كنت أحلم أن أكبر لأصبح رقم 14 في الزمالك، لأنه حازم.

أشهر قليلة أخرى وعاد حازم في مشهد أسطوري وقصة تاريخية، الليلة ليلة ديربي جديد والجميع على أهبه الاستعداد، التقارير الواردة تفيد بأن حازمًا لم تصل بطاقة اللعب الخاصة به، ولن يستطع اللحاق بالمباراة ولا يوجد أي أخبار أخرى، ولا إنترنت لنشر أي تحديث سيحدث، والجماهير التي تملأ الاستاد والشاشات تعلم أن حازمًا لن يكون موجودًا في المباراة، ساعات قليلة قبل المباراة تصل بطاقة اللعب وحازم سيشارك ولكن لم ينتشر الخبر، الجماهير في انتظار وصول اللاعبين للإحماء ومناوشات بين جمهور كلا الناديين عن طريق الهتاف، ثم يريد جمهور الزمالك إثارة غيظ جمهور الأهلي فيخرج أحدهم بهتاف جديد، ولكنه سيصبح أسطوريًّا فيما بعد، بدأت الجماهير في السخرية من المنافس ومن أحق أن يخيفهم خير من حازم ليخرج الهتاف «احمدوا ربنا العو مش هنا»، كان حازم مرعب وطلته كذلك؛ لذلك أصبح حازم العو، دقائق ويدخل اللاعبون للإحماء، وها هو ذاك حازم يجري عمليات الإحماء معهم، إنه جاهز وسيلعب، الصمت يسود مدرجات جمهور الخصم، وعلى الجانب الآخر فرحة هيستيرية عارمة للجمهور الأبيض، وهتاف آخر تاريخي «العو أهوه».

أشهر قليلة أخرى ومات أبي، ثم كانت هزيمة الزمالك التاريخية من المنافس التقليدي 6-1، الآن كل شيء سيئ والأمر ليس على ما يرام، أما إشارة باتمان في السماء فهي الأمل الوحيد، ولكن بدلًا من خفاش قامت الجماهير بصنع قميص عظيم يحمل الرقم 14، كان هو الأمل أن يقود رفاقه للعودة، وبالفعل نجح الفريق في العودة والانتصار على الغريم التقليدي، والفوز ببطولة الدوري، ودوري الأبطال، والتأهل لكأس العالم للأندية، والعديد والعديد من الإنجازات.

حازم لم يكن مثاليًّا، لكنه كان أقرب الصور لهذا، كل ما يفعله بالكرة رائع، وكل ما يتعلق به مثير للاهتمام، حتى القدر ذاته كان مصرًّا أن يكمل اللوحة الفنية تلك بكل الطرق، فكان حازم يلعب، وكان ميمي الشربيني يعلق، ونحن نشاهد كل شيء في عصر ممتع وجميل، إنه حازم سليل عائلة إمام، الذي يمكن أن نعده أحد الخطين الحمر على قميص النادي، أو يمكنك حذف رامي السهم ووضع صورة حازم، حازم محمد يحيى الحرية إمام «إكسترا مهارات إكسترا حركات، معجون كورة يا ابني، بنص حمولته البدنية، بنص إيه بأقل من نص حمولته البدنية بيعمل كل حاجة في الكورة ده ناقص يكلمها، التاريخ يا حازم يرفع يديه أمام الموهوبين وينسى دون اعتذار أنصاف الموهوبين».

إنه الإمبراطور، والثعلب، وفنان الشعب، والعو، ومهندس الكرة المصرية، إنه رمزنا الذي نتباهى به ونفتخر، من شاهد حازمًا أبدًا لن ينساه، ومن وقع في غرام حازم يدرك دائمًا أنه لن يأتي مثله أبدًا، ولن يأخذ مكانه أحد، لطالما كان رمز اعتزازنا ومصدر قوتنا، لطالما كان أسطورتنا.

الإمبراطور، العو، الثعلب الصغير، إمام الموهوبين، مهندس الكرة، فنان الشعب، حامل أختام خط النص، دمت عظيمًا في كل عام، و دمنا نزداد اعتزازًا بك.

لم يكن حازم يومًا وليد الصدفة، و لم يكن بيد عائلة إمام اختيار أحد بتلك العظمة ليكون مسك ختامهم الكروي -حتى الآن- ولكنه رحمة أرسلها لنا القدر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد