القانون من موضوعات الثقافة العامة، التي يجب أن يعرف الناس عنها ويقرؤونها ويأخذون قسطًا من المعرفة بها، ليس لأنه مادة منطقية يستطيع كل إنسان، بمعزل عن قدره ومقدرته أو مؤهلاته وقدراته، استيعابها وفهمها ومقاربتها.

القانون من موضوعات الثقافة العامة، التي يجب أن يعرف الناس عنها ويقرأونها ويأخذون قسطًا من المعرفة بها، ليس لأنه مادة منطقية يستطيع كل إنسان بمعزل عن قدره ومقدرته أو مؤهلاته وقدراته استيعابها وفهمها ومقاربتها، بل أيضًا لأنه مثله مثل أي فرع من فروع العلم ومجالات الحياة المختلفة كالمسائل الطبية والمعرفة بالأمراض والعدوى والمنتجات التكنولوجية والتعامل معها، وغير ذلك.

والقانون له جوانب شيقة للفهم والتطبيق في الواقع العملي، ومنها يمس مصالح الناس ومنافعهم، بل أبعد من ذلك، منها يمس أمورهم الخاصة وأحوالهم الشخصية مثل الزواج، والطلاق، والتبني، وحقوق الزوجة، وحقوق الزوج، والأولاد وما إلى ذلك.

بدايةً، ما هو عقد الإيجار؟

ومن ضمن الموضوعات العملية جدًا في القانون؛ عقد الإيجار، وهو عقد مثل أي عقد، ينطبق عليه مبدأ «العقد شريعة المتعاقدين»، وهو مبدأ يفضي ببساطة إلى أن يتفق الناس فيما بينهم على ما يشاؤون طالما أنهم لا يخرقون بهذا الاتفاق شيئًا من الخطوط الحمراء التي تضعها أي دولة حسب منظومة القيم والمحرمات الخاصة بها.. فيستطيع اثنان الاتفاق على بيع وشراء أي شيء، ولكن لا يجوز الاتفاق على أن يبيع إنسان ابنه أو ابنته؛ لأن هذا إتجار في البشر محظور، ويكون هذا العقد باطلًا بطلانًا مطلقًا ولا يعتد به.. وقد يؤجّر شخص إلى شخص آخر شقة لمدة أسبوع للاصطياف، وقد تكون المدة 10 سنوات إذا أراد الاستقرار فيها، وقد يتفق على أقصى مدة ممكنة في عقد الإيجار وهي 60 سنة، ولكن لا يجوز أن يتم الاتفاق على أن تجاوز المدة في العقد 60 سنة؛ لأن عقد الإيجار ينتهي في كل الأحوال بعد مرور 60 سنة، ولا يجوز أن يستمر أكثر من هذه المدة مهما كانت الأسباب.

هل قانون الإيجار «القديم» قديم فعلًا؟

واليوم دعني أضع بين يديك عزيزي القارئ موضوعًا قد تعرض له الغالبية العظمى من الناس؛ وهو عقد الإيجار.. وعلى وجه الدقة مسألة تتعلق بسوء فهم كبير، وأمر مخالف للواقع، ولم يقع فيه عامة الناس فحسب، بل وقع فيه حتى أصحاب التخصص من العاملين بالحقل القانوني والمحامين والقضاة، بل أقول حتى إن نفرًا من شُرّاح القانون لم يسلموا من ثُلّمَةِ الخطأ فيه.

فالكثيرون، كما قلت، وبالذات في هذه الآونة، يعتقدون خطأ بأن قانون الإيجارات القديمة هو «بدعة ناصرية»: أي أنه قانون تقرر في نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إبّان فترة حُكمه من ضمن القوانين التي وضعها منحازًا للطبقة الأعرض من الشعب؛ الطبقة الأشد احتياجًا من الفقراء والمهمشين.. وأنا أقول – وبالأحرى الحقيقة الثابتة تقول – إن هذه الادعاء لا أساس له بتاتًا؛ فليس لنظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يد في ابتداع هذا النوع من القوانين.

وقبل أن أسوق بعض التبريرات التي تقف وراء هذه الاعتقاد، أود في البداية أن أوضح – وفي أقصى درجات البساطة – المسألة محل هذه السطور. إنّ قوانين الإيجارات الاستثنائية، ويطلِق عليها عامة الناس خطأ تعبير «عقود الإيجار القديمة» ويقصدون بها الإشارة إلى عقود الإيجار التي ترد على إيجار الأماكن وتكون مدتها 59 سنة في العقد.. وهنا يقع غالبية الناس – إن لم يكن كلهم – في خطأ كبير بين نوعين من عقود الإيجار:

الأول؛ هو الإيجارات «القديمة» أو قوانين الإيجارات الاستثنائية التي لا تضع أي حد أقصى لمدة إيجار المساكن وبعض الأماكن الأخرى. فلقد كان المستأجر وزوجه وأولاده وأحفاده (وأقاربه وأصحابه ومعارفه أحيانًا) يسكنون الشقة أو المكان إلى ما شاء الله، وبأجرة إجبارية في حدود معينة يتم فرضها من قبل أجهزة الدولة، حتى جرى تجميد العمل بهذا القانون في فبراير (شباط) 1996، وانحصر فقط على عقود الإيجار السارية والتي يكون تاريخها سابق على الأول من فبراير 1996، وكذلك أصدرت المحكمة الدستورية العليا أحكامًا بالجملة، ألغت بموجبها مجموعة كبيرة من نصوص هذا القانون وعدّلت بعضها الآخر لصالح أصحاب العقارات (المؤجرين).. وبالتالي، فلا يجوز أن يتفق مالك ومستأجر على عقد إيجار «قديم» بهذا المعنى، لأنه سيكون باطلًا ولا يعتد به.

وأمّا النوع الثاني من عقود الإيجار؛ فهو عقد الـ«59 سنة»، وهو بالمناسبة ليس «قديمًا» من أية ناحية، بل هو عقد مؤقت (أو عقد «إيجار مدة» كما يقول رجل الشارع العادي) ومثله مثل الذي أجّر شقة لمدة سنة أو ثلاث أو خمس أو سبع سنوات أو ما إلى ذلك.. وكل ما هنالك أن أطراف العقد يتفقون على أن تكون مدته 59 سنة لا أكثر، بدلًا عن سنة أو اثنتين أو ثلاث سنوات، وهكذا… ومن ثم، فإنه بمجرد انتهاء الـ59 سنة سيتعين على المستأجر إخلاء الشقة وتسليمها لصاحبها بكل بساطة.

لماذا قانون الإيجار القديم ليس «بدعة ناصرية»؟

وبعد أن قدمنا هذه الفقرة التوضيحية عن تعبير «الإيجار القديم»، علينا أن نعود الآن ونفكّر سويًا، عزيزي القارئ، في أهم الدوافع التي كانت وراء رد هذا القانون (أو مجموعة القوانين بالأحرى) إلى عصر قوانين «الحقبة الناصرية» التي مالت إلى طبقات الشعب العاملة وانحازت إلى طبقة الفلاحين.. كما أوضحنا.

وأقول إن أهم هذه المبررات أن الناس اعتادوا – وهم محقون في هذا الاعتياد – إلى إحالة أي قانون أو نظام له صفة الانحياز إلى الفقراء وعموم الشعب إلى الحكم الناصري وإلصاقه بهذه الفترة، بعد أن تبنّت «ثورة يوليو 1952» أهم وأعمق وأشمل قانون غيّر وجه مصر على الإطلاق، وهو قانون «الإصلاح الزراعي» رقم 178 لسنة 1952، الذي أعاد توزيع ملكيات الأراضي الزراعية من جديد، وأعطى الفلاحين امتيازات جمة لا قِبَلَ لهم بها من ذي قبل.. وربما استقر في الوعي الجمعي المصري أن أي قانون ينحاز إلى غالبية الشعب بطريقة استثنائية فإنه بالتبعية سيكون منتميًا لـ«عبد الناصر» وحكمه، وبطبيعة الحال فإن قوانين الإيجارات الاستثنائية أو «الإيجار القديم» – كما تحلو تسميته – يندرج ضمن هذا المفهوم، حيث يجري فيه تقسيم الشعب إلى طبقتين كبيرتين، طبقة الملاك من أصحاب العقارات وطبقة المستأجرين الذين يريدون أن يسكنوا الأماكن بالإيجار، وفيه تتدخل الدولة تدخلًا سافرًا لمصلحة الأخيرين على حساب الأوَّلين، وتنحاز وتنتصر للطرف الأضعف (المستأجر) على الطرف الأقوى (مالك العقار).

متى صدر تحديدًا أول قانون من قوانين الإيجارات الاستثنائية؟

وحقيقة الواقع أن قوانين الإيجارات الاستثنائية قديمة قِدَمَ وجود قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر!

فهذه القوانين استهلّت وجودها إبّان حكم الاحتلال الإنجليزي لمصر، وتحديدًا مع بداية العقد الثالث من القرن الماضي. ولقد كانت الحاجة الملجئة إليها استثنائية ومقترنة إلى حدٍ بعيد باستمرار الاحتلال ذاته على الأراضي المصرية، ولكن السلطات المصرية على مر العصور التي تلت إقرار أول قانون استثنائي للإيجار استمرأت استمرار مثل هذه القوانين، بل سنّت المزيد منها لأسباب كثيرة لا تختلف في مجملها عن الأسباب التي خرج من رحمها أول قانون من هذه القوانين!

فما هو إذًا أول قانون صدر، وما هي الأسباب التي ألحّت لإصداره، وماذا كان موقف الملاك والمستأجرين منه؟

هذا ما سنجيب عنه في المقال القادم بحول الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد