المجتمع اليمني في طبيعتهِ، وجغرافيتهِ منعزل، ومنغلق على ذاته، وذلك ما يجعله مرعى خصيبًا للميليشيات الإرهابية، والجماعات المسلحة، واليمن اليوم تعاني من صعوبة التحديث، وإعادة التأهيل الثقافي للمجتمع اليمني.

لكن في المقابل، ولكي نتعامل مع العامل الأجنبي من حولنا، هل هناك ثقافة للتعامل، وتشريع لأعمال السيادة في اليمن؟ فقط كل ما نملكه فيديو ترويجي مقتضب، وكذلك كتيب نصوص، ومواد قانون الاستثمار اليمني.

قرار رقم 15 لسنة 2010 بشأن الاستثمار في اليمن

كذلك هناك نص صريح  للقانون التجاري اليمني: قانون رقم (32) لسنة 1991م. المــادة (6): إذا لم يوجد نص قانوني يمكن تطبيقه، حكم القاضي بموجب أحكام الشريعة الإسلامية، فإن لم يوجد حكم بموجب العرف، ويقدم العرف الخاص، أو العرف المحلي على العرف العام، وإن لم يوجد عرف طبقت مبادئ وقواعد العدالة، وعلى أنه بالنسبة إلى وسائل الإثبات تطبق القواعد المتعارف عليها في المعاملات التجارية.

اليمن ليس لديها ثقافة مجتمعية، ولا تجارية قانونية للتعامل مع التطور الاستثماري الجيوسياسي الجديد.

لنبسط القضية أكثر

اليمن تمر بوضع «القوة القاهرة» بناء القوة الطارئة، وكما هو متعارف عليهِ، فالقوة القاهرة في القانون والاقتصاد هي أحد بنود العقود، تعفي كلًا من الطرفين المتعاقدين من التزاماتهما عند حدوث ظروف قاهرة خارجة عن إرادتهما، مثل الحرب، أو الثورة، أو إضراب العمال، أو جريمة، أو كوارث طبيعية كـزلزال، أو فيضان.

ما هي الشروط الواجب توفرها في السياسة الاقتصادية اليمنية؟ إذا كانت تريد نجاحًا حصيفًا واستراتيجيًا!

كيف يتم إبرام عقود تسليم موانٍ يمنية لدول أخرى أجنبية؟ هل على سبيل المثال: تسليم ميناء عدن إلى الصين كما يتم الترويج له، بات ممكنًا في هذا الوضع الراهن؟ هل هو فعل سيادي أم تجاري؟ وإذا هناك ثمت من عقد، فمن مصلحة الشعب اليمني ألا يتضمن ذلك العقد أي شروط جزائية: إذا فرضنا تم التوقيع عليه، ويجب شطب بند التحكيم من جهات قضائية أجنبية عند حدوث نزاع بعد التعاقد، وعدم الخضوع لاختصاص القضاء الأجنبي، وبدقة أكثر في حال حدوث نزاع لا يحال إلى أي محكمة أجنبية، وفوق ذاك وذاك لابد لرئيس الجمهورية قبل اتخاذ أي قرار سيادي لليمن، ملزم قانونًا وشرعًا، بأن يرسل مسودة هذا القرار إلى السلطة التشريعية «البرلمان» للتداول، والموافقة أو الاعتراض.

عينة مقاربة لليمن هي الاستثمار الصاعد في بوابة أفريقيا، والحديث عن الجارة جيبوتي، والتي تعد أنموذجًا لاستثمار واهتمام صيني يرفض البيروقراطية كثقافة استثمارية مجتمعية، ويعتمد على القوانين الضابطة للعملية الاستثمارية في مجالات الخدمات، والبنية التحية، والشحن، والصناعة، والأنشطة المالية تحديدًا.

بعبارات أدق لابد، وندقق، ونفرق ما بين الأعمال السيادية والأعمال التجارية، وخصوصًا في هذا التوقيت الحرج، بحيث لابد أن نلبس الأعمال التجارية السيادية والاستراتيجية لباسًا سياديًا صرفًا بأفضل العروض، ونمتلك مساحات ذكية لفسخ أي عقد مهما كانت نفقات ثروته مهولة.

حصانة مطلقة، وليست مقيدة، لابد وتتمتع بها اليمن.

عالم المال والأعمال نموذج لفجوة ثقافية ما بين مجتمعين، فالأول عاجز عن الإدارة، ولا يمتلك الخبرة والمهارة يقوم باستقدام طرف آخر يدرك تلك الاشتراطات التشغيلية. نبذة لفجوة ثقافية على سبيل المثال تعد الانحناء من علامات التوقير والتبجيل لدى الشعب الياباني، ولكنها علامة للخنوع لدى العرب المسلمين، إذ لا يجوز الانحناء إلا للخالق الواحد، وأن يضع راعي البقر حذاءه على الطاولة في مواجهة زميلهِ من المسائل المتصادق عليها في المجتمع الأمريكي، وكل ذلك يثير حفيظة العرب بوصفه علامة مهينة، فمن المشكلات المهمة التي يعالجها خبراء الثقافة في ميادين الصناعة والتكنولوجيا مشكلة (الثغرة أو الفجوة الثقافية). فهل ندرك ذلك لكي نجيد تطوير بلدنا اليمن.

استقدام الصين يعني استقدام البوذا، وهي ديانة غير ألوهية، فهل وصلت الثقافة باليمنيين لتجيد التأدب، وحسن التعامل مع الدالاي لاما، ونصف مليار من سكان الأرض.

بتوضيح أكثر: هل العقل اليمني بات يدرك أن مصلحتنا في التنمية الصناعية والاستثمارية، وبأن إلهنا هو الاستثمار، وهو رب البوذا، ورب المسيح، ورب اليهودية، ورب كل شيء.

وبلغة اليمن اليوم: يشترط في القوة القاهرة التي يترتب عليها عدم المسئولية عن تعويض الضرر الناتج عن عدم تنفيذ العقد، بأن يكون من شأنها جعل الوفاء بالالتزام مستحيلًا، وأن تكون غير متوقعة الحصول وقت التعاقد، ويستحيل دفعها.

التنوع والاستقرار هدفنا اليوم، وليس الهروب والقفز إلى الأمام.

وبلغة ثقافية استراتيجية، هل سنكون على قدر من المسئولية في تنمية العقول مشفوع بتنمية سياحية وساحلية، وتعد شرطًا أساسيًا من شروط التنوع الاقتصادي في اليمن، وكيف نخطط لتكون العقود الاقتصادية السيادية بموجب ذلك ليست محكورة على الصين فقط، وليس هروبًا إلى الأمام، بل لابد ونكون أكثر ذكاء وتنوعًا في الوعي الذاتي والثقافي لنجيد التعامل بكل ذكاء مع الجميع بدون استثناء، ونكسب الكل إلى صف اليمن، وفي هذا التوقيت العصيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد