بعد هجمات باريس الدموية تحركت في نفوس الكثيرين مشاعر الإنسانية والغيرة على صورة الإسلام دين التسامح والرحمة، مشاعر دفعتهم بحسن نية إلى إبداء تعاطفهم وتضامنهم مع الشعب الفرنسي الجريح بصور مختلفة.

 

تضامن لم يعجب بعض أحفاد عنترة بن شداد الذين اقتطعوا دقائق من رباطهم المبارك ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ليتكلفوا عناء إعادة تلك الفئة الضالة إلى الصراط المستقيم، وحججهم في ذلك كثيرة لعل أبرزها أن “الفرنجة” الذين استعبدونا في القرن العشرين، وأبادونا ونكلوا بنا في القرن الحادي والعشرين لا يستحقون منا إلا كل صنوف الاحتقار.

 

 

كلام مؤثر ومقنع خصوصًا إذا لامس فينا “عقدة الدونية” والنقص التي زرعت داخلنا ألوانًا من التعصب والانكفاء وحتى التطرف، بدل أن تكون حافزًا للنبوغ وتحقيق الذات.

 

لماذا نسمح لتطرفنا ولعنصريتهم أن ينتصرا على قيم الاعتدال والوسطية وتكريم الإنسان التي يعليها ديننا الإسلامي الحنيف؟

 

قد لا نتفق مع بعض صور التعاطف المبالغ فيها، والتي تخرج أحيانًا عن مفهوم التضامن فتكون أقرب للتبعية والخضوع، لكن حتى لو اختلفنا مع أصحابها، ليس هناك ما يبرر ثقافة السب والشتم والنقد الهدام الموغل في السلبيىة، لماذا لا نحاول أن نستشف المعنى الإيجابي الذي يحاول أن يبرز الجانب الحضاري والإنساني، بغض النظر عن طبيعة القالب سلبيًّا كان أم إيجابيًّا؟!

 

وحتى نفصل أكثر، لماذا يتناسى البعض أنه في فرنسا التي يصفها البعض “بالكافرة” يوجد أكثر من خمسة ملايين مسلم لا تمثلهم سوى ألوان العلم الفرنسي الثلاث، والذين يستحقون منا بعض التعاطف والإنصاف؟!!

لماذا لا نفرق بين سياسات الدول وثقافات الشعوب؟

 

لسنا عميانًا ليغيب عنا حجم العنصرية الممارسة ضدنا كعرب ومسلمين في الثقافات الغربية، خصوصًا في فرنسا وهذا ليس وليد اليوم، بل إن جذور تلك العنصرية والكراهية ضاربة في التاريخ –للأسف- وربما كانت معركة بلاط الشهداء في بواتييه الفرنسية هي الملهم التاريخي الأبرز لصناع ثقافة العنصرية والكراهية الغربية الفرنسية ضد كل ما هو عربي ومسلم، مرورًا بالحملات الصليبية ثم حقبة الاستعمار الحديث، والتراكمات عبر التاريخ كثيرة، وما نراه اليوم ليس سوى قمة جبل الجليد.

 

وما يدركه الفرنسيون قبل غيرهم أن ثقافة الكراهية تلك تهدد قيمهم وسلمهم الأهلي بالمقام الأول قبل أن تكون تهديدًا للعرب والمسلمين، وهي مشكلة حضارية عميقة جدير بهم أن يبحثوا لها عن حلول جذرية، وإلا فإن نسيجهم الاجتماعي سيبقى دائمًا مهددًا.

 

رغم كل ذلك يجب أن نتساءل نحن هل يجب أن نتخلى عن حضارتنا الإسلامية التي تنتصر للقيم الإنسانية النبيلة وتؤسس لتعايش متكافئ بين الشعوب والحضارات، وننخرط في ثقافة الكراهية والحقد التي لا تنسجم البتة مع ثوابتنا، لماذا نتخلى عن كل تلك القيم لمجرد ضغط استفزازي متطرف أو عنصري؟

علينا أن ندرك خصوصية الراهن، وطبيعة “الصراع”، أن نعي أن ثقافة التصادم والاستفزاز تأتي غالبًا بنتائج عكسية، السباق الأممي اليوم بات حضاريًّا وأخلاقيًّا بامتياز، وهو سباق تملك الثقافة الإسلامية الحقيقية كل أدواته، وكل ما علينا كمسلين أن نتمثلها ونجسدها جوهرًا وعمقًا ونغوص أبعد من القشور.

المسلم الحقيقي هو الذي ينظر إلى غير المسلم دائمًا على أنه مشروع مسلم في المستقبل، ويسعى ليتحقق ذلك المشروع، أما من يحاول إرساله بسرعة إلى جهنم فهو لا ريب يحقق أهدافًا إبليسية جلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد