«إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» [رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الألباني].

والغلو هو المبالغة في تضخيم بعض جوانب الدين على حساب الأخرى تصورًا أو ممارسة أو كليهما معًا.

إن التدين من حيث هو ظاهرة وجدانية تجعل النفس قابلة للنزوع إلى الغلو وذلك طلبًا لزيادة الإيمان، خاصة في عصر أصبحت المادة هي محوره. لكن الغلو والتطرف ليس ظاهرة دينية حصرًا وبالضرورة فهو ينتقل مثل الوباء من مكان لآخر ويتخذ أشكالًا علمانية ودينية وقومية وقبلية.

فنحن نعيش في عصر النزعات المتطرفة حيث لا يكون فعل شيء بشكل سهل وبوسطية واعتدال أمرًا رائعًا، إنما دومًا نبحث عما هو مجنون ومتجاوز للحدود ليبهر الأنظار ويجذبها!

ويرجع الشيخ فريد الأنصاري – رحمه الله – علل الغلو في الدين إلى ما يلي:-

  • رد فعل على تأسيس الكيان الصهيوني في فلسطين والهزائم العسكرية التي منيت بها الجيوش العربية.
  • عنف وإرهاب الدولة والأنظمة السلطوية المستبدة الحاكمة.
  • الاستكبار الأمريكي والعدوان السافر على الأمة.
  • رد الفعل المنافس للتمدد الماركسي (ويمكننا أن نعتبر العلمانية اللادينية الآن امتدادًا).
  • التأثر بالفكر الشيعي (ثورة إيران، وحزب الله – حتى صار التشيع نوعًا من الموضة السياسية التي يثبت بها الإنسان لنفسه وللآخرين نوعًا من الوجود الذي حرم منه اجتماعيًا وسياسيًا بحجة نفسية هي التحدي الإيراني للهيمنة الأمريكية والمقاومة الشيعية للكيان الصهيوني، في مقابل التخاذل السني متمثلًا في الدول العربية).
  • التأثر بالجهاد الأفغاني (ويمكن اعتبار تنظيم الدولة «داعش» امتدادًا لهذا التأثر في الواقع الراهن).
  • تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
  • الجهل بالإسلام وغياب التوجيه الفقهي (إذ تفرغ الشباب للدعوة والنضال بلا زاد علمي ولا توجيه فقهي، وأصبح من لا يفتي على هواهم عالمًا من علماء السلطان! والتجرؤ على كل داعية أو مجتهد إما بالسب أو التجريح أو السخرية! وأصبح من السهل توظيف النصوص الشرعية دون فقهها ولا معرفة مناهج تنزيلها واستصدار فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان).

إن الغلو في الدين سواء كان بشكل عنيف ومتطرف أو بشكل سلمي وانسحابي متصوف، إنما أساسه هو النفسية التي دائمًا ما تكون في وضعية رد الفعل لا الفعل.

والغلو دائمًا ما تكون مرجعيته الواقع لا النص، وبما أن الواقع المسيطر الآن هو واقع الحداثة وما بعدها، عالم متجرد من القيمة تصبح فيه كل الأمور متساوية‏,‏ ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية‏,‏ وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم على أي شيء‏,‏ ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر وبين العدل والظلم‏,‏ بل وبين الجوهري والنسبي‏,‏ وأخيرًا بين الإنسان والمادة‏.‏ وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات‏,‏ وكيف يمكن أن نسوي الخلافات‏,‏ وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة‏ يمكن الاحتكام لها‏,‏ يصبح الإنسان الفرد أو الجماعة العرقية مرجعية ذاتها‏,‏ وتصبح ما تراه في صالحها هو الأساس وما ليس في صالحها هو الطالح‏.‏ وقد أدى هذا إلى ظهور القوة والإرادة الفردية باعتبارها آلية واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات.

وقد يتخذ البعض نقيض ذلك، فينسحبون من العالم الدنيوي متمركزين حول ذواتهم، وتصبح القوة الروحية التي يحسمون بها الصراعات من حولهم بديلًا عن القوة المادية التي يستخدمها الآخرون للحسم!

فإن تاريخ الخلافات المذهبية والفرق، وإراقة الدماء والنزاعات والصراعات السياسية، وعدم الأمان الروحي والمادي الناتج عن كل هذا، قد آذى أفكار الناس بدرجة شديدة وكثيرًا ما أوجد نوعًا من الصدمات جعلت بعض الناس لا يرون مهربًا إلا بالخروج على الدين أو الهروب بالدين، وما أشبه اليوم بالبارحة!

ويزيد من الطين بلة عيبنا نحن الشرقيين من تحكم المشاعر والعواطف فينا بين كراهة شديدة وإعجاب تقديسي.

في التطرف بوصفه ردَّ فعلٍ عنيفًا

فكما قلنا في مثل هذا العالم الذي لا تحكمه قيم مطلقة، وكل شيء فيه نسبي، يلجأ الإنسان إلى أي مجموعة من الناس – أيًّا كانت إسلامية علمانية دولاتية – تصبح مرجعية ذاتها.

وحينها يصبح الموقف السياسي، وهو اجتهاد محض؛ هو المقياس الوحيد الذي يصنف مستوى التدين أو الوطنية أو الحكمة… إلخ، لدى هذه الحركة أو تلك.

ولأننا نعتبر الدين مرجعية وما يهمنا هنا هو بحث ظاهرة الغلو في الدين تحديدًا، فعلينا أن ندرك أن ذلك دال بالقطع على الانحراف عن المعنى الإسلامي للدين والتدين.

فإذا كان الدين من حيث هو نصوص وتشريع لا يعير للعمل السياسي في إطار التعبد إلا هامشًا تبعيًا غير أصيل، فكيف تسيس العمل الإسلامي المعاصر في كثير من صوره حتى كانت له ردود أفعال ذات طابع عنيف على شاكلة العنف الثوري الوارد في الأدبيات الماركسية.

فيضع كل رهانه على الحل السياسي وحده، ويصبح معيار تدين الفرد على مدى ما يضمره الفرد من مواقف سياسية ضد هذا النظام أو ذاك، فيصبح التدين حركة احتجاجية أكثر من كونه حركة تعبدية.

فالموقف السياسي يقود إلى الصلاة، والصلاة تقود إلى ذلك الموقف السياسي!

إنَّ لحظة واحدة من التأمُّل تكشف لنا الحقيقة المرَّة: لقد خان المسلمون تقاليدهم، تمامًا مثل الدول القوية في العالم. لقد سمحوا للظلم، وعدم المساواة، والفقر، والتطرف، والإرهاب؛ بالتفاقم في داخل مجتمعاتهم. لقد فشلوا في معالجة المظالم المشروعة بطرق معقولة من الناحية الأخلاقية، وفعَّالة من الناحية العقلانية. وبدلًا من العمل على حل مشاكلهم بالحكمة والصبر، لجأ المسلمون إلى عدم التسامح، والتعصب، والعنف. والنتيجة هي انتشار الجماعات المتطرفة العنيفة التي تُقوِّض المبادئ والتعاليم الأساسية التي ينبني عليها الإسلام.
إنَّ تعاليم الإسلام الأساسية، مثل السلام، والعدل، والرحمة، تضيع في خضم السباقات الوحشية على السلطة الدنيوية.

فالعالم الإسلامي يتأرجح بين مجد ماضيه، واللامبالاة والبؤس اللذين يتسم بهما حاضره، دون أن يكون واثقًا بنفسه أو مشاركًا في القضايا العالمية بطريقة بنَّاءة وبلا وضوح لمستقبله.

تلك المشكلة التي تقع في قلب نزعات التطرف في العالم المعاصر من فشل النظام الدولي، وحس اليأس والعدمية، والظلم السياسي والاقتصادي، والعلاقة المضطربة بين التقاليد والحداثة، والتي يتطلَّب حلها هذا حكمًا رشيدًا، وسياسة أفضل، وتخطيطًا أفضل. ولكن قبل كل شيء، فإنَّه يتطلَّب ثورة عقول؛ تُعيد تعريف علاقتنا بالعالم لنتعامل معه باعتبار أنَّه «أمانة» أُعطيت لنا. وهذا كله يبدأ بتزكية نفوسنا ورعاية ما خلق الله بذكاءٍ ورحمةٍ.

لكن حركات الصحوة الإسلامية المباركة بتأكيدها على بعض الوسائل من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) جعلت كثيرًا من الوسائل مطلوبًا لذاته وكأنها هي الدين كله، بل أصبح الولاء والبراء يتم على أساس الوسائل لا الغايات!

من أجل ذلك ينبغي للعالم الإسلامي أن يقف لحظة للتفكير وإعادة الحسابات؛ ويجب أن يبدأ هذا من الداخل. إنَّ التراث الفكري الإسلامي يؤكد على التكامل بين الباطن والظاهر؛ فما يظهر على خارجك هو انعكاس لما في داخلك، والخير في داخلك يجب أن يظهر في إحلال السلام، والعدالة، والرحمة في العالم الخارجي. وكما يقول القرآن: «إنَّ الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسِهم».

الانسحاب والتصوف رد الفعل العكسي

والتصوف ها هنا ليس المقصود به تهذيب النفس وإيقاظ القلب والتقرب إلى الله.

إنما ما نقصده هو ذلك الإيمان الجبان القاعد الذي يفر إلى صومعة، أو يحيا داخل قوقعة، لا يجرؤ على الضرب في أرض، ولا يستطيع مغالبة الأنواء.

فترى هذا المؤمن بالمكتوب لا إرادة له ولا عزم، ولا هدف له ولا اتجاه.

تراه ميتًا تتقاذفه سراء الحياة وضراؤها، تراه متواكلًا ينتظر من المصادفات أن تصنع له شيئًا.

وقد يستبدل بالتصوف أفكار التنمية البشرية الملعونة التي بدأت تغزو القلوب والعقول تنشر الانسحابية والسلبية معلقة كل التغيير على الطاقة والذبذبات، فدع العالم يحترق من حولك وأحط نفسك بطاقة إيجابية!

ومن السخف أن نجعل التصوف المنديل الذي نمسح به أوضارنا، فإن فساد التصوف جزء من الفساد الذي لحق جملة العلوم الدينية؛ الفقه والكلام والتفسير والحديث، وسائر أنواع الفساد التي تغلغلت في مجتمعاتنا.

تاريخيًّا ظهرت جماعتان متضادتان ردَّ فعل على الواقع؛ جماعة اعتبرت جميع المسلمين من الفساق وناصبوهم العداء بحد السيف وهؤلاء كانوا الخوارج، وجماعة خوفًا من الدخول في حرب ومن إراقة الدماء اختارت العزلة والانزواء والزهد والتعبد، وما أشبه اليوم بالبارحة!

في الواقع كان التصوف في العالم الإسلامي نوعًا من الصلة الروحية «التعويضية» لمن يعانون من العنف، خاصة في مواجهة ظلم الحكومات الاستبدادية والقهرية.

ونظرًا للاضطرابات السياسية والاجتماعية والمعارضات الكلامية والمذهبية التي واكبت التصوف في مراحل نموه وتطوره، قد اتضح أنه لم يخل – إلى حد ما – من المغالاة والشطط.

إن الإنسان لا يختار نمط تدينه الذي يسير وفق تعاليمه، إنما البيئة المحيطة به هي التي تزوده بأركانه وتوثق به مشاعره.

فحيث زادت دوائر المطحونين، وذلك لأن الأغنياء ذوي المناصب ونهازي الفرص الذين وصلوا إلى المكانة والثروة عن طريق استغلال مواقعهم، قد صدموا القاعدة العامة من الشعب فكان من الطبيعي أن يتمسكوا بالدين من منظور الزهد في الدنيا، فإن تصرفات الحكام أثرت سلبًا على عوام الناس بلا شك.

وردَّ فعلٍ على هذا الواقع توجهت النفوس إلى الانطواء والهروب من الدنيا كلما تستدعي الأحوال ذلك، وادعاء نوع من التواصل مع الكل والفناء فيه والاتحاد مع الحقيقة المتعالية للعالم!

وهنا يحدث الشطط الصوفي، فعندما يثور عراك نفسي على شيء من الشدة، فإن الإنسان يضاعف إحساسه بما لديه من خير، موهومٍ أو حقيقي، ويضاعف إحساسه بما عند الآخرين من شر موهوم أو حقيقي كذلك، حتى يحافظ على اتزانه النفسي وهنا يقع الخلل، فينسحب الإنسان من الواقع المضطرب حوله متعبدًا في صومعته متوهمًا أن ذلك هو الحق وهذا هو الدين، ومرة أخرى تتحول الوسائل إلى غايات مكتفية بذاتها!

من الصعب أن تطلب من الناس أن تتحدى الواقع، وأن تجاهد وتثور مجازفة بدينها في ظل موجات عاتية جبارة كفيلة بجعل ضعاف الإيمان يمرقون من الدين بالكلية!

فيجب على الإنسان في مثل هذه الحالات أن يدرك فن العزلة والاختلاط، أن يوازن بين الاجتهاد والجهاد، أن يعيد صياغة نفسه فيقوي إيمانه أولًا ويتعبد لله حتى يستطيع التقدم لخوض المعارك.

ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه من غير أن يتعذب. فهو الرخام والنحات في وقت واحد ولكي يكشف عن وجهه الحقيقي يجب عليه أن يحطم مادته بضربات عنيفة من مطرقته، ولكنه لن يفعل ذلك إلا إذا دفعته الضرورة دفعًا ذلك، فعليه أن يوقظ همته ويسعى في الأرض مصلحًا لا مفسدًا، ولا يكلف الله نفسًا إلا وُسعَها.

والخطة المثلى أن يؤدي الإنسان واجبه المجرد دون استعجال لمصير ما في هذه الدنيا، وألا يتعلق بالفوز الشخصي له (على طريقة أرباب التنمية البشرية) أو الانحدار الشخصي لخصومه (على طريقة أرباب العنف والتطرف).

إن الثقافة الإسلامية في سياسة الحياة والإحياء، في تربية النفوس والضمائر، في تأسيس العلاقات والروابط، يجب أن تعود كما كانت عليه أيام الرسول وصحابته وخلفائه الراشدين.

إن الانسحاب والتقوقع لم يكن يومًا صفة من صفات صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، كذلك لم يكونوا متبلدي المشاعر متطرفي النزعة، وعلينا أن نهتدي بهديهم فهم كالنجوم كما وصفهم الحبيب صلى الله عليه وسلم.

لقد كان اتصال أرواحهم بالوحي الإلهي، وتتبع هدى صاحب الرسالة، جعلهم على اختلاف وظائفهم العلمية والعملية «رهبانًا بالليل، فرسانًا بالنهار»، فليس بالرهبنة وحدها وليس بالفروسية وحدها. وذلك هو التوازن المطلوب وهكذا يُدرك الإسلام ويحقق غاياته وأهدافه.

والله أعلم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) فريد الأنصاري، البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي.
(2) إبراهيم كالن، التطرف العنيف: كيف تحارب الوحوش دون أن تصبح أحدها؟
(3) عبد الوهاب المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية.
(4) محمد خاتمي، الفكر والدين في فخ الاستبداد.
(5) محمد الغزالي، ركائز الإيمان بين العقل والقلب.
عرض التعليقات
تحميل المزيد