الوصول إلى السلطة كما هو متعارف عليه في الدساتير الدولية يكون عن طريق الانتخابات، سواء المباشرة أو غير المباشرة من قِبل الشعب، وينتج عنها فوز حزب معين من بين الأحزاب المتنافسة.

عادةً ما يكون التنافس بين الأحزاب من خلال برنامج كل حزب، وهذه البرامج غالبًا ما تكون من أجل تطوير البلد في كافة القطاعات، وزيادة دخول المواطنين وتطوير التعليم والبنى التحتية وكل يحتاجه المواطن، بالتالي يفوز الحزب الأمثل بالنسبة للشعب، ولسنوات عديدة حافظت الأحزاب التي من الممكن أن نعتبرها معتدلة على الفوز في الانتخابات في الغرب خاصة، أما الأحزاب اليمينية المتطرفة لم تكن ذات شعبية تمكنها من الدخول في المنافسة.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب وتصاعد موجة الإرهاب بدأت خطابات التطرف تبرز بشكل ملحوظ ما بين الغرب والمسلمين.

إلا أنها تنامت بشكل كبير بعد ثورات الربيع العربي وما شهدته البلدان العربية من صراعات واضطرابات أدت إلى ظهور تنظيم داعش وغيره من الجماعات المسلحة التي تسببت في نزوح مئات الآلاف من العرب إلى بلدان أوروبا، وموجة النزوح هذه خلقت أزمة كبيرة وصراعات سياسية في أوروبا، استغلتها الأحزاب اليمينية المتطرفة من أجل كسب شعبية للوصول إلى الحكم، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي وقعت في فرنسا وألمانيا وبروكسل، وغيرها من المدن الأوروبية الأخرى.

وهذه الهجمات برغم من اختلاف دوافعها إلا أنها أفرزت جماعات متطرفة تعادي الأجانب والمسلمين وأبرزها حركة «وطنيون ضد أسلمة أوروبا» وتعرف بحركة بيغدا، نشأت هذه الحركة في ألمانيا في درسدن، وكانت بدايتها ضعيفة غير معروفة، إلا أن أفكارها تمددت بشكل أكبر داخل ألمانيا وخارجها بعد الهجمات الأخيرة خاصة في ألمانيا، وهذه الحركة ترى بأنه يجب طرد المسلمين من أوروبا بعد ازدياد عددهم الذي من الممكن أن يحولهم إلى أكثرية، وتتحول أوروبا إلى دولة مسلمة على حد تفكيرهم، وهذا ما دفع الأحزاب المتطرفة لاستغلال مثل هذه الحركات وأعضائها كمؤيدين لهم، بالتالي يمكن الاستفادة من أصواتهم في الانتخابات.

ومن هذه الأحزاب حزب البديل من أجل ألمانيا، والذي تأسس كرد فعل على سياسات إنقاذ اليورو، واليوم أصبح مناهضًا لللاجئين وداعمًا كبيرًا لحركة بيغدا.

كذلك الحال بالنسبة لبقية البلدان الأوروبية فقد شهدت الانتخابات الأخيرة في أوروبا إلى رفع أرصدة الأحزاب اليمينية المتطرفة، فقد حصل حزب الفجر الذهبي اليوناني على 18 مقعدًا في البرلمان اليوناني، رغم أنه لم يحصل على مقعد واحد منذ عقدين سابقين حتى عام 2009.

أما في سويسرا فإن حزب الشعب السويسري كان دائمًا ما يحصل على نتائج متأخرة في الانتخابات في بدايات تأسيسه، مما دفعه إلى تغييره خطابه نحو التشدد لكسب المزيد من الأصوات، بالتالي حقق أعلى نسبة أصوات في انتخابات 1999واستمر في النجاح في السنوات اللاحقة واقترح قوانين متطرفة أهمها حظر بناء المآذن للمسلمين في البلاد.

كما أن حزب غيرت فيلدرز «من أجل الحرية» والذي يركز على خطاب الكراهية ضد الأجانب، وخاصة ضد المسلمين، بدأ بتحقيق المكاسب في الشارع الهولندي، وفي النمسا حصد حزب الحرية على نسبة عالية من الأصوات مقارنة بالانتخابات السابقة، كذلك الحال في كل من بريطانيا وفرنسا والدنمارك وغيرها من البلدان الأوروبية.

أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فإن حملة الانتخابات الجارية تختلف عن سابقتها من حيث الخطاب الذي يتبناه المرشحون، خاصة المرشح الجمهوري دونالد ترامب الذي يستغل كل حادث إرهابي داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها ليوجه النقد لسياسة أوباما متبنيًا خطابات متشددة ضد السود واللاجئين المكسيك وغيرهم والمسلمين خاصة؛ حيث توعد بمنع دخول أي مسلم للولايات المتحدة الأمريكية في حال فوزه وممارسة الرقابة على المساجد.

والحال نفسه في البلدان العربية، فبعد سقوط الأنظمة العربية أصبحت الخطابات والشعارات الطائفية هي البرامج التي تطرحها الأحزاب للوصول إلى الحكم ففي العراق على سبيل المثال نجد خطابات بعض السياسيين متطرفة وحادة، خاصة قبل الانتخابات للترويج لحملاتهم الانتخابية.

فنجد السياسي السني يعِد جمهوره بأنه سيقضي على التدخل الإيراني وميليشياتها في العراق، والآخر الشيعي يعِد أنصاره بمحاربة الفكر السلفي الوهابي والقضاء على إرهابه، مستغلين عواطف الجماهير؛ فغالبًا ما يكون السياسي ديماغوجي مستخدمًا المحفزات الدينية العنصرية لإقناع أتباعه من خلال تخويفهم من الآخر وإثاره أفكار سابقة يؤمن بها المجتمع، خاصة إذا كان المجتمع دوغمائي متعصب لفكرة أو قضية معينة.

بالتالي فإن تنامي خطاب الكراهية والشعارات المتطرفة داخل المجتمع وتنامي صعود الأحزاب المتطرفة إلى الحكم مع تراجع الأحزاب السياسية المعتدلة، سيدخل العالم في صراعات تكون أخطر من إرهاب داعش نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد