التطرّف هو تعبير يستعمل لوصف أفكار أو أعمال ينظر إليها من قبل مطلقي هذا التعبير بأنها غير مبرّرة. من ناحية الأفكار، يستعمل هذا التعبير لوصم الأيديولوجية السياسية التي تعتبر بعيدة عن التوجه السياسي للمجتمع. من ناحية الأعمال، يستعمل هذا التعبير في أغلب الأحيان لوصم المنهجيات العنيفة المستعملة في محاولة تغير سياسية أو اجتماعية. وقد يعني التعبير استعمال وسائل غير مقبولة من المجتمع مثل التخريب أو العنف للترويج لجدول أعمال معين.

إنّ مُصطلحيّ: التطرف أو متطرّف، يُطلقان بشكل دائم تقريبًا من قِبل الآخرين، بدلًا عن مجموعة معينة يمكن أن تعتبر نفسها كذلك، على سبيل المثال، ليس هناك طائفة إسلامية أو مسيحية تدعو نفسها بالمتطرفة، وليس هناك حزب سياسي يدعو نفسه بمتطرّف يميني أو متطرّف يساري.

لكن ظهر الآن نوع جديد من التطرف بعيدًا عن التطرف الديني والسياسي هو التطرف الجماهيري أو ما يصطلح عليه بالألتراس أو شعب المدرجات.. قوة جماهيرية سلبية غير قانونية وقابلة لكل توظيف، الألتراس أو المتطرفون لطالما دافعوا عن أنفسهم بكونهم مجموعات تنبذ العنف وتدعو إلى الأخوة ودورها يقتصر على ما يسمونه بـحب الانتماء، أي التشجيع، والوفاء لألوان فرقهم، وعلى حد تعبير نواة الألتراس أنهم يسعون جاهدين إلى التعبير عن حبهم لفريقهم وميدنتهم بالتنقلات لمتابعة فرقهم، وعبر التيفوات والأهازيج والأغاني غير أن أحداث متتالية وسط الملاعب المغربية كأحداث الخميس الأسود والسبت الأسود وأحداث الديربيات التي راح ضحيتها عشرات الشباب خلصت إلى أن الألتراس لها أدوار بطريقة ما في كل ما يجري خلف الملعب، ووجهت اتهامات بالجملة لهذه المجموعات من طرف العديد من الفاعلين الرياضيين والإعلاميين، بل ذهب البعض منهم إلى حد مطالبة بالدولة المغربية بضرورة حل هذه المجموعات.

من أدبيات مجموعة الإلتراس، رفع التحدي والتعصب لأجل وطنهم وفريقهم الذي يعني شيئين لا ثالث لهما الفريق والمدينة، هو ميثاق حركية الألتراس الذي ظهر منذ الأربعينات في البرازيل، وبدأت حماه تدخل القارة الأفريقية منذ بداية التسعينات. والذي دخل المغرب في العقد الأخير منذ مطلع سنة 2000.

بالتضحية والإخلاص نعيش حياة الألتراس، عبارة، ومثلها كثير، نجدها منقوشة على الجدران في الأماكن العمومية. قد نظن أنها مجرد عبارات فارغة من المعنى أو مجرد لغو، لكن ليس الأمر كما نتوقع، فكل كلمة من مثل ما يدونه الشباب للحديث عن الألتراس له دلالات وجودية، له تجارب تاريخية، هو موروث ثقافي جديد، إنها ثقافة الشباب الجديدة، عقيدة المستقبل.

كم من أب وأم يحترق كبدهما لحظة هجرة ابنه أو ابنته لمساندة فريقه، ولمصاحبة أقرانه للبلدان البعيدة ولأيام عديدة دون رخصة عائلية، بلا مال ودون خوف! هذا الشباب يجد ذاته هنا، مع الألتراس، هنا فرحته وحزنه، هنا حياته ووجوده، لهذا يبقى موضوع شباب الألتراس موضوعًا له أهمية قصوى، بالرغم من أنه لم يحظ بالدرس والتحليل. إنه موضوع غير متفكر فيه، أو على الأقل مسكوت عنه، خاصة في المغرب.

ما هي ثقافة جيل الألتراس وفلسفته؟

لمقاربة هذه التساؤلات، سنحاول أن ننظر في ظاهرة الالتراس بالمغرب، هذه الجماعات التي بدأت في الانتشار على امتداد التراب المغربي، انطلاقًا من سنة 2005، لتلازم الكثير من الأندية الرياضية المشهورة. وبالرغم من أن ظاهرة روابط المشجعين الألتراس قد انتشرت في مدرجات الملاعب المغربية، وبدأت تعرف طريقها إلى مدرجات البطولة المغربية حديثًا، فإنها أضحت المحرك الأساسي للمتعة والفرجة الكروية، بفضل ما تقدمه من صور إبداعية، عبر التيفوات والفلام، والتي تتفنن في إنجازها لدرجة أوصلتها إلى العالمية، حيث احتل مثلًا ألتراس وينرز المرتبة السابعة في الترتيب العالمي، فيما جاء ألتراس غرين بويز في المرتبة الحادية عشر عالميًا، بل أصبح أصبح للأتراس عامة قوة تخوّل لهم التحكم في زمام الأمور، حيث أضحت قوة ضاربة، يصل مداها إلى أبعد ما يمكن تصوره، وبإمكانها تغيير رئيس الفريق، إذا لم يرقهم أداؤه.

لا يمكننا أن ننكر الجمالية التي يضفيها الألتراس على الملاعب المغربية، حيث إن اللوحات الفنية (تيفوات) للألتراس جعلت العديد من المتابعين للشأن الرياضي يبدون إعجابهم بهذه الظاهرة، بينما خصصت العديد من القنوات التلفزيونية برامج خاصة تتطرق للألتراس وهتفاتهم، وفي كل مباراة كان كل التقرب هو تجاه المدرجات بانتظار التيفيو، غير أن هذا الإعجاب كان يخفي جانبًا آخر، وهو الجانب القانوني لظاهرة الألتراس، حيث لا يوجد إطار قانوني يحدد هوية الألتراس والمنتمين له ولا عددهم.

إن أغلب من يرتمون في حضن الألتراس أبناء طبقات مهمشة وفقيرة وأحياء هامشية، يجدون في الألتراس مرتعًا لإفراغ مكبوتاتهم المختلفة داخل إطار غير قانوني لا يقيدهم بشيء وسط المدرجات، مؤكدًا أن الألتراس في المغرب بات تعويضًا عن فراغ الوسائط الاجتماعية، كدور الشباب والمتنزهات، وقال المتحدث ذاته: إن تلك مسؤولية الدولة والأسرة، وهذه الأخيرة التي يعود لها دور كبير في تنمية الفرد وقدراته التعليمية.

كثيرًا ما هتف الألتراس، بشعارات ذات حمولة سياسية واجتماعية، بل انخرط البعض منهم في الحراك السياسي الذي شهده المغرب عام 2011، وعلق الباحث المغربي منصف اليازغي على هذه الظاهرة بالقول: إن انخراط الألتراس في مثل هذه التظاهرات لا ينم عن وعي سياسي، وقد كان متفرقًا، ومشاركتهم كان كأشخاص، وأكد أن التوظيف الوحيد للألتراس في المغرب هو توظيف مجموعات الألتراس من طرف مكاتب الأندية الرياضية لتصفية الحسابات فيما بينهم.

وأطلقت وزارة الداخلية المغربية رصاصة الرحمة على روابط الألتراس نتيجة تزايد الانتقادات وتعدد الأصوات المطالبة بوضع حد لتجمع جماهيري غير قانوني، تسبب في تسجيل العديد من الوفيات، كان آخرها ضحيتي شغب مباراة السبت الأسود بين الرجاء وشباب الريف الحسيمي لحساب منافسات الدوري الاحترافي، وعممت ولايات المملكة بلاغًا على الفرق يقضي بمنع كافة أنشطة المجموعة الألتراس المساندة للفرق، بينها القرار الذي تسلمه نادي الرجاء الرياضي.

ويقول البلاغ: نظرا لكون المجموعة المسماة الألتراس تعدّ غير موجودة من الناحية القانونية؛ لكونها غير مصرح بها طبقًا لمقتضيات الظهير الشريف، والمتعلق بحق تأسيس الجمعيات، وبالتالي تبقى كافة أنشطتها غير مشروعة وخاضعة للعقوبات المقررة بمقتضى القانون.

لكن يبقى هذه القرار حبرًا على ورق، وصعب التحقيق؛ نظرًا لكون هذه الجماعات تتوفر على قاعدة شعبية كبيرة يصعب تقنينها أو تأطيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد