منذ بداية نشأة الجماعات المتطرفة، لم يحاول أي من المفكرين بدراسة الظاهرة أيديولوجيًا عن كثب، وإنما توجه إلى توصيفها من بعيد، ربما إلا القليل الذين أخذوا في دراسة تاريخ هذه التنظيمات وأومؤوا إلى الجانب السيكولوجي والأيديولوجي لها بطريقة عابرة، وربما لم يسمعوا إلى أحد أفراد تلك التنظيمات؛ والحل الأمثل لعلاج ظاهرة هي دراسة هذه الظاهرة، ودراسة أفكار أصحابها، بل محاولة عيش التجربة، وفي هذا المقال سأحاول إلقاء نظرة على أفكار هذه التنظيمات وإشكاليتها.

الإشكالية الأولى والأهم عند هذه الجماعات؛ هي نظرة تلك الجماعات للتاريخ وحصره في السنين الأولى لما بعد الهجرة، وحتى آخر الخلفاء الراشدين، حيث لا يقبلون بالواقع الحالي باعتباره امتدادًا لهذا التاريخ يجب التفاعل معه كما هو، ويظهر هذا جليًا في حديث هؤلاء دومًا عن الصحابة والنبي وفقط، وحياتهم تلك الحياة بكل تفاصيلها حتى تلك التفاصيل الهامشية التي يعتبر عيشها الآن خللًا مجتمعيًّا.

ويرتبط بتلك الإشكالية إشكالية أخرى وهي، حصر الدين كله في الجهاد، ومن ثم حصر الجهاد في القتال، وبذلك تتحول الحياة لديهم إلى كيفية الوصول للموت، باعتباره الهدف الأسمى لحياتهم، وبذلك تتحول الحياة في نظرتهم من الإعمار إلى التخريب المتقن والمنظم.

وهنا تنبثق إشكالية أخرى، في نظرتهم إلى أنفسهم كما لو كانوا حاميي الحمى، والأوصياء على حياة الناس وموتهم أيضًا، باعتبارهم ممثلًا وحيدًا للدين، ولربما اقتناع عامتهم بأن قادتهم ما هم إلا قرآنًا وسنة تمشي على الأرض، ومع الوقت يتحول الأمر إلى نحن المسلمين وفقط، وهنا تتحول نظرتهم إلى الدول الإسلامية على اعتبار أنها دول يجب فتحها إسلاميًا، ومحاربة أهلها للقبول بالدين الصحيح الذي يحملونه ويتركوا الضلال الذي يعيشون، وهنا تفرض الدولة بقيادتها، بفكرها، بدينها وديدنها على الناس بلا اختيار.

ومن ثم نجدهم لا يأبهون لفكرة الوطنية والقومية، باعتبار هذه الأوطان أصنامًا لا بد من تحطيمها، ومن ثم يتحول اتجاههم من العدو الحقيقي إلى أبناء أوطانهم التي تبرأوا منها ومن تراثها، والسؤال البديهي هنا أكان الدين بغير وطن؟!

وهنا ينسى هؤلاء أو يتناسون الإطار الدولي لدولتهم المدعية، وتتحول مهمة الدولة في رعاية مواطنيها إلى مهمة المواطنين رعاية دولتهم التوسعية، وهنا تنتج دولة لا تعترف بالعالم، ولا يعترف بها العالم.

وإذا نظرنا إلى أية أيديولوجيًا، سنجدها تنبثق عن عقيدة وتطبقها تحركات، ولكن تلك التنظيمات يوجد لديها خلل في تلك النقطة؛ حيث لا يوجد نظرية أيديولوجية وإنما هي عقيدة إيمانية غيبية، تحول كل ما هو مزركش بحلة الدين إلى عقيدة دونها حد الرقاب حتى وإن لم تكن أمرًا دينيًّا أصلًا؛ وهنا يبرز الفرد المتحمس لفكرة، مجذوبًا لها بكل عاطفته، ولا يرى سواها حقًّا مقدسًا مبينًا، ويجد نفسه مغتربًا عن مجتمع لا يمت إلى فكره بصلة، بل انقطعت به كل الصلات ويقصي المجتمع شيئًا فشيئًا، أو يقصي نفسه عن المجتمع إلى أن يتحول إلى تلك الجماعات المتطرفة بوجهة عاطفية، لا تقبل أي عق، ولا تعترف بأي منطق سوى منطق قوتها وما تريد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد