من المُؤسف أن نكتشف بعد مدِّ الحرب وجَزرها أن للفرح في الأوطان مدة صلاحية، وأن أرضها أصبحت خصبة أكثر من الحد الذي يجعلها صالحة للزراعة؛ فتنغرز قدماك بأول خطوةٍ في وَحل الحرب من شدة التعب، وشلالات الدماء التي امتزجت بترابها، حتى أصبحت هشة، وغير قادرة على حمل أحلامنا.

فنقتلعهما بألم اقتصاص الحبل السري للجنين لحظة خروجه من رحم أمه ونجوبُ البلدان، هذه تستقبلنا، وتلك ترفضنا، فنرفض مَن تستقبلنا، ونحبُّ من ترفضنا.

تمرّ بنا السنوات، ونحن عينٌ على الوطن، وعينٌ على البديل.

لا أدري من أين يأتينا الشعور بأن بديل الوطن مثل زوجة الأب، يجب ألّا يُحب، وإن ابتسم، فعلينا أن نتّقي غدره، وإن صفعنا نشتهي يد الوطن التي تشبه يد الأم؛ لأنها مهما قست لا توجع.

لكن نستغرب كيف استطاعت «إسطنبول» أرض الربيع، من بين كل المنافي أن تخطفَ أنظارنا، ربما لأن الروح عطشى للربيع، ونُفيَت من أرضها؛ لأنها وُجِدت مُتلبِّسة بجريمة آذاريّة!

نيسانُ فيها لا يشبه أي نيسان على وجه الأرض، لم يحدث أن ترتدي مدينة بأكملها ثوبًا من تيوليب، لم يحدث أن يُكرَّم الربيع بمهرجان بهذا الجمال، مدينةٌ كل ما فيها يصيبك بالذهول، فعند آيا صوفيا تقف أنت والتاريخ لتروي لك جدرانه على لسان الفسيفساء، أنه كان أعظم كنيسة في عصر الإمبراطورية البيزنطية، وتحول بعد فتح العثمانيين للقسطنطينية إلى مسجد، وأضيف له أربع مآذن، ومن ثم حولها مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة إلى متحف يشهد على التاريخ، ويضم كنوزًا إسلامية ومسيحية لا تقدر بثمن. تشعر بدُوار أثناء تأملك! تستدير فترى قبالتك جامع السلطان أحمد الذي لا يُنهي دُوارك أو ذهولك، بل يزيده، من حيث حجمه وتصميمه وفخامته، وقد صُنِّف من أجمل المساجد، ليس في تركيا فقط، وإنما في العالم الإسلامي قاطبةً، بُني على يد أشهر المعماريين الأتراك، أراد السلطان أحمد من بنائه أن يمحو أثرَ هزيمة جيوشه في الجبهات الفارسية والأستروهنجارية، ولهذا أراده أن يكون أعظم من كل جوامع السلاطين السابقة؛ ليذكره الناس كمن ترك أعظم أثر على المدينة، وليس كمن كانت في عصره أعظم انتكاسةٍ حربية.

في داخله تميَّز بزخارف مختلفة متنوعة، بين الذهب وفنون النقش التي ترسم بعض الآيات الكريمة رسمًا متناهيًا في الإبداع، أما تصميمه الخارجي، واختيار عدد مآذنه فقد تأثّر بالمسجد الحرام في مكة المكرمة، وزخارفه الداخلية أكسبته اسم الجامع الأزرق، متأثرة بتصاميم قبة الصخرة في القدس الشريف.

وإذا هربت من التاريخ والحضارة لتلتقي أطيب شعب لا بدَّ لك أن تمر بميدان تقسيم، أكبر تجمّع للعرب عامة، والسوريين خاصة، هناك قد تلتقي بمن تقطّعت بينك وبينهم أسباب اللقاء؛ لأن هذا الميدان أشبه بعِرق يصل أطراف المدينة بعضها ببعض، وقد يصلك أيضًا بأبناء أرضك البعيدة. وهناك قد تظن أن حركتهم شغلتك وأنقذتك من دوامة الحضارة الساحرة، لتتفاجأ بصوت التاريخ يعود من جديد ليناديك من بوابة جامع الفاتح، تدخله بجولة تعيدك إلى أقدم الحضارات، تنقلك إلى أقدم العصور، لا تشتهي أن تخرج من بابه إلا إلى زمن آخر.

وعند المساء حين تصاب بوعكة حنين إلى دمشق، لن تُشفى حتى تذهب لزيارة السوق المسقوف، أو السوق الكبير كما عُرف باسمه الآخر، وأبوابه الستة كلها تُطِلّ بقلبك على الشام، الأعمال الحرفية فيه مرآة لموزاييك الشام القديمة، رائحة العراقة فيها توجع رئتيك اختناقًا برائحة وطن، وإن لم تكن من عُشَّاق القهوة التركية، أعدك بأنك ستنتسب إليهم؛ فهي مدينة كل ما فيها يُعشق، وفنجان قهوة عند جسر البوسفور كفيل بتعديل مزاج العمر، جسر يجمع نصفي إسطنبول ليكتمل وجه القمر، يهدي قسمًا منها لأوروبا، وقسمًا آخر لآسيا، في النهار لا تستطيع إلا أن تُسبِّح الخالق وأنت تُنقّل ناظريك حوله بين اللوحات الفنية المرسومة بإبداع لامتناهٍ، وفي الليل يمتلك سحرًا إضافيًا لا يُقاوم، فيصبح أشبه بعقدٍ من الماس يزين عنق المدينة، هناك لن تشتهي أكثر من فنجان قهوة تطلب زيادته كلما نقص وتثمل به،

أذكر مقولةً كانت من أشهى ما قرأت: «اطلبني قهوة تركية، وسأسكب لك إسطنبول في فنجان» ليت سُكّرك يُسكب في أطباق الحياة يا مدينة السحر ليحلو بكِ مذاق الأوقات.

كيف يمكنني أن أحصر سحر الطبيعة والتاريخ فيها وأسكبه على أوراق؟

مدينةٌ تصالحك الفصول الأربعة فيها، وتعتذر عن الغياب، ويصافحك الربيع عند كل رصيف، وفي كل حديقةٍ تحضر زفاف نيسان، فيها قد تجد علاج روحك مكتوبًا بوصفةٍ ربّانية على صفحة السماء، وبقلمٍ من نسمة هواء، تمشي ساعات في شوارعها لتُخلق من جديد، وحدك لا أحد يشغلك عن خطاب الحضارات، ترتّب سنواتك فيها ضمن قائمة الأولويات، وتكتب عنوان حياتك على فهرس الأيام بحبر من أمل.

لذلك أعتب ملء قلبي على من جعلها محطة انتظار، وهرب من جمالها دون أن ينتشي بصوت الأذان إلى متاهات الغرب لينقّب عن صوت مسجدٍ بعيد، كيف لم تسحره؟ كيف لم تأسره؟ كيف استطاع أن يفكّ قيود فتنتها وركب البحار على متن سفينةٍ، نصفها غارق في الموت، ونصفها في الضياع، كيف أهدى ما تبقَّى من عمره لمدينةٍ أخرى، وهي من المدن التي تمر من خلالنا وتسكن فينا قبل أن نسكن فيها، لأن الله قد قسم لها من الحُسْن كما قسم ليوسف والبشر أجمعين.

هي التي نستطيع أن نقول بكل ما فينا إنها تصلح أن تكون بديل وطن، وأرضًا للأحلام، فيها نغرس أطفالنا بذورًا لا تقتلعها أيدي الجُناة من مدعي الإنسانية والأخلاق، شعبها يشبهنا بعاداتهم، بتقاليدهم، بحبهم للضيف، بلغتهم القريبة من قلوبنا، ويكبر الأطفال دون هواجس تقضُّ مضاجعنا أن نصحوا ذات يوم ونجدهم قد سُرقوا منا.

فيها نسند ظهرنا على جدار الوطن، وأنّى قُرعت طبول الفرح نعود حاملين معنا أجمل ذكريات، نفتش عن قبر نُوارى فيه بعد رحلةٍ طالت للبحث عمّا يستحق أن يكون بديلًا لوطن، بُعده كان حارقًا كنار حربه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد