من نبع القلب إلى واقعنا الساحر، رحلة كلمات عابرة باتت في الوجدان واصطدمت بجسر الحقيقه لترصد لي صورة بارزة المعالم لسواعد تبني الأوطان، وثمارا نبتت من رحم الأرض وامتدت فروعها للسماء، فحملت بداخلها كل معاني الخير والأصالة والتحدي والقوة.

تلك السواعد والثمار هم الشباب، فالشباب هم الثروة الحقيقة للمجتمع بما يحملونه من طاقات وإبداعات وأفكار تحول بين الحلم والحقيقة، لكنها ظلت تائهة في ضوء عيون تتطلع إلى السماء وتريد أن تلمسها ولكن آذانها تضطرب إلى واقع مرير أفقد الحلم هويته المصرية.

هذه الأفكار والطموحات طالما احتاجت أن تمتد لها يد العون فهي صورة مصغرة لصناعة الفكر الجديد، ولكن ماذا لو كانت مغريات الحياة والمادة عائقا أمام حرية الأفكار وتنمية الطاقات الإبداعية!, لقد أصبح المجال محدودا ومقيدا أمام الطاقات الشبابية، في الوقت الذي نجد فيه الكثير من منتهزي الفرص يستخدمون الشباب ويجنون ثمرة أفكارهم ليبنوا نجاحا مزيفا لأنفسهم معتمدين على وسائل دعم الفكرة وإقناع الآخرين بها، فأصبح المال وسيلة شراء الأفكار وتوجيهها، الأمر الذي جعل آليات الإقناع ومغرياته أقوى من صدق الفكرة.

وهذا ما دفع بعض الشباب إلى الخروج من البوتقه والسعي وراء المال بشتى الطرق حتى وإن كانت غير مشروعة من أجل بناء مستقبل أفضل لأنفسهم كما يرون، ولكن سرعان ما ينتهي الأمر، فقد يسقط هؤلاء الشباب في جرف من الدوامات التي تأخذهم لطريق لا يعرفون الفرار منه ليجدوا أنفسهم داخل أسوار السجون أو ينتهي بهم الطريق إلى ما كانوا عليه أو يضيعون داخل منظمات ألمافيا ليطبع عنصر الإجرام وشما على جباههم.

وهذا كله نتاج لخلل في الشخصية ناتج عن عدة عوامل منها:

  • الإيمان بالمادة وغياب عقيدة التوحيد حينما تؤثر معطيات المادة علينا نظن أنها هي التي ستقدم إلينا السعادة والطمأنينة وأن قوانينها هي التي تحرك الأمور فنعمل ونسعى من أجل تحقيق رغباتنا فقط، ونتناسى مسائل النفس والروح والمعنويات، فتصاب أنفسنا بالتمزق والتحلل والضياع، فنسعد بالنجاح ونصاب بيأس وإحباط في حالة الفشل، لأننا تناسينا أن للكون ربا ومنهجا ينظم مسيرة الحياة ويحدد المسئوليات فيدعو للقيم من عبادة وزكاة وعمل وتوحيد ورضا، بالقضاء سواء كان خيرا أم شرا مع ضرورة السعي، كما أنه وجه الطاقات للخير والمثل العليا وتهذيب النفوس وقدم الوسائل في ضوء القرآن والسنة والتي هي أعمق وأشمل من القوانين المادية.
  • الدخول في العالم الافتراضي الذي تأسست قواعده منذ أن انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي وما تحمله من أفكار أصابت عقول الشباب بالتشويش، استجابةً لدعوات تحمل أفكارا معينة عن التحرر والانفتاح دون ضوابط أو رقيب، وكذلك ما تحمله من أخبار مغلوطة تهدد مجتمعاتنا وثقافتنا الشرقية، وقد لجأ الشباب لهذا العالم حيث إنهم وجدوا فيه ما لا يقيد أفكارهم ومعتقداتهم ويخرجهم من البيئة المنغلقة والعادات التي تربوا عليها، وهذا كله ناتج عن غياب القدوة والحكمة والفجوة الكبيرة بين الأجيال والتي أفقدت الآباء السيطرة على أبنائهم لانعدام ثقافة الحوار، فأصبح كل فرد له حياته الخاصة.
  • دور وسائل الإعلام في نشر أفكار مزيفة تحمل انفلاتا في مشاعر الحزن أو الفرح بعيدا عن التوازن ي الذي نعيشه وهذا ما صورته الميديا في رصد حياة الترف المبالغ فيها أو حياة الضنك والفقر المدقع دون إيجاد الحلول لكل هذه المشاكل، والأمر الذي أثر بالسلب على الشباب فجعلهم في حالة من الرفض لمجتمعهم راغبين في حياة ترف تليفزيونية والتخلص من بيئة الفقر المدقع وطبع الشخصية الدرامية عليهم، الأمر الذي أدى إلى اضطرابهم نفسيا لما يرونه من تناقضات غريبة وغيرها من العوامل التي لا يسعنا الحديث عنها.
  • فكل ما نريده هو إقامة جيل متوازن نفسيا وقادر على تحمل المسئولية ومؤمن بنفسه وقدراته في مواجهة الصعاب، وهذا لم يحدث إلا إذا تضافرت الجهود واتضحت الأدوار لمن له الكلمة لرجال الدين ورجال السياسة والنخبة ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، بل والأهم من ذلك التمثيل الشبابي الحقيقي في الحكومة ومقاعدهم في البرلمان، وهذا لم يحدث إلا إذا ظهرت الكوادر على الساحة وخرجت النخبة من أماكنها واجتمع الشرفاء حول فكر واحد يتصدى للفساد والفاسدين ويبني للشباب أملا حقيقيا على ظهر الأرض حتى لا يكون حلمه في السماء وحقيقته غائبة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد