أنقل لكم شهادة أحد أقربائي على الانقلاب الفاشل في تركيا: في الثالث عشر من يوليو (تموز) عام 2016 بدأت تتحرك بعض القوات العسكرية في المدن الكبرى كإسطنبول وأنقرة، وقد لاحظت خلال هذا التحرك أن عناصر الجيش وضباطه كانوا يتصرفون بعصبية.

بدأ الحدث المشهود في الساعة الثامنة والنصف مساء من الخامس عشر من يوليو حيث كنت أتابع أخبارًا على «فيسبوك» عندما جاء خبر من تركيا العربية أن مجموعات من الجيش استولت على بعض المباني المهمة مثل: مطار إسطنبول، ومبنى الإذاعة والتلفزيون، ومحاولتها الاستيلاء على وزارة الدفاع، وجاء بعدها خبر مفاده أن طائرات حربية هاجمت الفندق الذي يقيم فيه الرئيس أردوغان في جزيرة حيث يقضي عطلته السنوية، ثم جاء خبر كاذب من عدة وكالات إعلامية مثل: «سكاي نيوز» و«بي بي سي» و«سي إن إن » أنه جرى اعتقال الرئيس أردوغان واقتياده لجهة مجهولة، وقتها خيَّم الصمت المطبق على عموم تركيا، لأن ما حدث قد يؤدي لانقسام الجيش وإلى حرب أهلية.

كان الناس قد التزموا البقاء في بيوتهم بانتظار المجهول، وأصبحت الشوارع خالية من المارة والسيارات عدا بعض سيارات الأمن والجيش والإسعاف والإطفاء، وبدأ الأجانب والسياح بحزم حقائبهم وخروج بعضهم فرادى مشيًا على الأقدام مع حقائبهم للوصول إلى المطارات، ومحطات الباصات، للسفر خارج تركيا، وفي الساعة الحادية عشرة من مساء اليوم نفسه ظهر الرئيس أردوغان عبر سكايب على عدة محطات تلفزيونية يحمل بيده هاتفه المحمول موجهًا رسالة للشعب التركي للتصدي لجريمة الانقلاب، وكان هدف الرسالة تكذيب خبر أن الرئيس في الاعتقال، وكذلك دفع الجمهور التركي للتحرك لصد الانقلابيين دون تحريك الجيش، حيث سيؤدي تحريك الجيش لدمار البلد، عندها دبت الحماسة في نفوس الناس وهم يراقبون أخبار الشاشات وبدأ الشباب منهم بالاندفاع إلى الشارع، وفي هذه الأثناء بدأ الطيران الحربي الذي سيطر عليه الانقلابيون بشن غارات وهمية في المدن الكبرى، وفتح جدار الصوت لتخويف الناس وإعادتهم لبيوتهم، ولكن الإصرار عند الناس والشباب جعلهم لا يهتمون بشيء من طيران أو جنود في الشوارع يطلقون النار في اتجاههم، وازدادت قوة أصوات الطيران بفتح جدار الصوت بشكل أقوى، حيث بدأ زجاج بعض البيوت بالتطاير، وكانت هناك أصوات انفجارات ناتجة عن صواريخ أطلقها الطيران على بعض الأبنية المهمة التي من المفترض أن أنصار الرئيس يوجدون بها، في هذه الأثناء خرجت من بيتي الذي لا يبعد عن ميدان تقسيم، حيث يعد من أهم الأماكن بتركيا كرمز تاريخي منذ زمن العثمانيين وحقبة أتاتورك، سوى ربع ساعة.

التقيت في شارع بيتي بعدد من الشباب الذين بدأوا بالابتهال والتكبير، وحمل بعضهم العلم التركي وبدأنا بالتحرك باتجاه ميدان تقسيم عبر شارع عمر الخيام المؤدي لشارع الاستقلال، ثم إلى ميدان تقسيم، كان عددنا في بداية التحرك بحدود العشرين، وعند وصولنا لنهاية شارع عمر الخيام أصبح عددنا بحدود المائتين، حيث بدأ الشباب والرجال بالانضمام إلينا بتشجيع وزغاريد من النساء، وعند تقاطع شارع عمر الخيام مع شارع رئيسي قادم من منطقة الفاتح التحمنا بمجموعات من الشباب بأعداد مختلفة قادمين من مناطق مختلفة سيرًا على الأقدام وأملنا باتجاه شارع الاستقلال المشهور حيث أصبحت أعدادنا ما يزيد على الألف بعد التحام مجموعات جديدة قادمة من مناطق أخرى، وبدأنا المسير الحذر القوي باتجاه ميدان تقسيم حيث عشرات الجنود الانقلابيين بأسلحتهم وعتادهم، ومعهم أليات مدرعة وذخائر بالأطنان، كانوا قد أدخلوها للمركز الثقافي الفرنسي القريب من الميدان قبل فترة من الانقلاب وتحركنا باتجاههم بثقة وحذر، وفي طريقنا كان أنصار الانقلابيين من أحزاب المعارضة يهربون من طريقنا ويقومون بتصويرنا اعتقادًا منهم بنجاح الانقلاب ومقاضاة المشاركين بالتصدي له، وعند اقترابنا من الجنود الانقلابيين على بعد مائة متر بدأوا بإطلا ق النار تجاهنا، أغلبه في الأعلى لتخويفنا وإرجاعنا لبيوتنا، حيث صرخوا بالمكبرات أنه قد أصدروا قرار منع التجول.

كان الطيران ينزل لارتفاعات منخفضة مع فتح جدار الصوت، حيث كنا نفترق قليلًا أو ننبطح أرضًا ثم نعود للتجمع مرة أخرى والاقتراب أكثر باتجاه الجنود الانقلابيين، وهنا لاحظنا أن العصبية والخوف بدأت بالسيطرة على الجنود الانقلابيين بعد رؤيتهم أن الشباب مستمر بتقدمه تجاههم بأعداد تفوق أعدادهم بأضعاف المرات، وبعد تكاثر أعداد المصابين نتيجة إصاباتهم بطلقات في أماكن مختلفة بأجسادهم، كانت سيارات الإسعاف تنقلهم سريعًا الى المشافي التي كانت في أعلى درجات الجاهزية، وبعد مرور عدة ساعات على هذه الأحداث قرب الميدان وشعور عناصر الجيش الانقلابيين بشيء من الإحباط، بدأوا بالتراجع باتجاه مركز الميدان وأخلوا عدة عربات مدرعة استولى عليها شباب من المقاومين للانقلاب بوجود عناصر من البوليس المسلحين القريبين جدًّا من موقع الحدث، والذين بقوا على الحياد واكتفوا بمتابعة الحدث، والذين كانت أعدادهم تضاهي أو تزيد على أعداد عناصر الجيش الانقلابيين الموجودين في المنطقة، وأصبح بعد ذلك عناصر الجيش الانقلابيين في وضع المحاصرين بآلاف من المقاومين للانقلاب من الشباب، حيث تجمعوا بمحيط تمثال أتاتورك في الساحة، حيث وجوههم وأسلحتهم باتجاه المقاومين للانقلاب، وظهورهم باتجاه النصب التذكاري لأتاتورك، والطيران يشن غارات وهمية كل بضع دقائق، يستعيد بها جنود الانقلاب التقاط أنفاسهم ومحاولة احتلال الساحة من جديد، وكان الشباب المقاومين يحاولون منعهم من ذلك، فيطلق بعض الجنود الرصاص الحي ويصيب بعضهم لتنقلهم سيارات الإسعاف الجاهزة بمحيط المكان.

عند اقتراب الوقت من الساعة الرابعة صباحًا بدأ الخوف والجوع والعطش واضحًا على وجوه الجنود الانقلابيين، حيث منع شباب مقاومة الانقلاب وصول طعام وشراب لجنود الانقلاب، حاول بعض أنصار أحزاب المعارضة التركية إيصاله لهم، كأنصار حزب الشعوب الديمقراطي، ولكن شباب مقاومة الانقلاب استولوا على كل شيء يحاول أحد إيصاله لجنود الانقلابيين، كذلك بدأ إطلاق نار من حديقة مكشوفة خلف الميدان يبدو أن بعض مؤيدي الانقلاب الذين يملكون أسلحة فردية حاولوا فك الحصار عن جنود الانقلاب في الميدان بإطلاق نار من الخلف، وكان يلاحظ على الضابط رئيس مجموعة الانقلابيين في المكان، عند زيادة حصارهم، الطلب ممن يحرك الطائرات بزيادة غاراتها الوهمية فوق المكان لإخافة المقاومين وإعاده السيطرة على الميدان، وعند وصول حالة الجنود الانقلابيين إلى ذروتها من التعب والخوف، قام بعض شباب المقاومين ذوي البنية القوية بالهجوم بالأيدي على بعض جنود الانقلاب وتخليصهم من سلاحهم وتسليمهم للبوليس الموجود قريبًا من المكان، والذي جهز باصات خاصة لها شبك معدني لنقل المعتقلين حيث سيتم نقل الجنود الانقلابيين المأسورين إلى مراكز البوليس، وبعد أسر عدد من الجنود الانقلابيين وتسليمهم للبوليس، وتعب القسم الأكبر من زملائهم بدأوا بالانهيار الذاتي، وتسليم أنفسهم للبوليس الذين حضروا بأعداد أكبر، فاستسلم أغلبهم عدا الضابط قائد المجموعة الذي حاول المقاومة اليائسة،  حيث بمحيطه كانت عشرات عناصر البوليس المدربين بأسلحتهم وعتادهم، فاستسلم مع من تبقى من مجموعته واقتاد البوليس آلياتهم وعتادهم ومدرعاتهم وذخائرهم إلى مراكز البوليس، بعد أن أخذ المقاومون والناس الذين حضروا إلى المكان صورًا تذكارية للحدث.

كان في هذا الوقت يوجد بعض الصحافيين بين الناس يصورون بهواتف محمولة كانت بينهم صحافية لوكالة عالمية تعطي أخبارًا حية عن الحدث، حيث أرسلت فيديو لوكالتها عن سيطرة عناصر الجيش الانقلابيين على الميدان في الوقت نفسه الذي كانوا فيه يستسلمون للبوليس، حيث اعتقله ضابط بوليس انتبه للفيديو الذي من المفترض ان يكون في الساعة ما قبل الحادية عشرة مساء، وهي أرسلته في الرابعة صباحًا بتعمد لتظهر وكالتها سيطرة الانقلابيين على الميدان في هذا الوقت، الذي كان جزء منهم قد استسلم للبوليس، كذلك احداث الانقلاب في مناطق أخرى كبلدية الفاتح، ومطار إسطنبول، ومباني الإذاعة والتلفزيون، ومباني قيادات الجيش والأمن، حيث الأحداث تشابهت واستسلم فيها الانقلابيون للمقاومين للانقلاب بعد سقوط مئات من الشهداء والجرحى وبعض الدمار في بعض الأبنية الرسمية نتيجة القصف بالطائرات، وبقيت الساحات والمباني المهمة مشغولًا داخلها ومحيطها بجماهير مقاومي الانقلاب مدة خمسة عشر يومًا، وقامت المؤسسات الرسمية بتأمين مطاعم متنقلة مجانًا للناس وحمامات متنقلة كذلك، ومراكز اسعاف متنقلة، ومواصلات مجانية من مترو وترامواي وباصات.

وتعد تلك الشهادة غيض من فيض الأحداث التي وقعت  خلال الانقلاب الفاشل في تركيا، ذلك االانقلاب الفاشل الذي كان  تجربة صعبة للشعب التركي، وكانت تجربة سياسية قوية، وظهر الشعب التركي في هذه التجربة قويًّا وذكيًّا، 15 يوليو سوف يدخل في تاريخ تركيا إلى وقت طويل بسبب أهميته، لأن تركيا بعد 15 يوليو ليست تركيا التي كانت قبل 15 يوليو، الكثير من الأشياء تغيرت في تركيا والشعب التركي صار يفهم أن الانقلابيين لا مستقبل لهم على الأراضي التركية.

الانقلابيون أينما عملوا انقلابًا بنوا سلطة استبدادية تنتهك حقوق الإنسان من سوريا، العراق إلى مصر، و مع أن هذه الأنظمة قد تقود إلى بعض الازدهار الاقتصادي أو تحسن حياة المواطن، ولكنها أنظمة وضعت نفسها بدون إذن الشعب، وبدون أي انتخابات، ما يجعلها سلطة استبدادية تنتهك حقوق الإنسان، وتقتل المنافسين السياسيين، وتضع الحاكم فوق الكل، أفضل دليل على ذلك عندما حدثت الثورة البلشفية في روسيا واستغل الشيوعيون وضع الشعب الروسي الذي كان ضائعًا لا يعرف طريقة، وسيطر لينين على الحكم، واستعمل أسوأ الأساليب ضد الشعب من معتقلات التعذيب (غولاغ) إلى إبادة أقليات بالكامل، والشيء نفسه كان ليحدث في تركيا إذا سيطر الانقلابيون على الحكم، لأنهم كانوا يريدون السلطة وليس تحسين حياة الشعب، كانوا يريدون أن يسيطروا على سلطة قد اختارها الشعب، ولكن الشعب وقفَ وقفة واحدة ضد الانقلابيين، وقال لا للانقلاب لذلك لم ينجح الانقلاب وانتصر الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد