فى أوقات المحن تظهر معادن العباد ، وتتبدل بهم الأحوال؛ فهناك من يفقد صوابه، وهناك من يزداد ثباتًا، وهناك من يخاف أن يضحي؛ من أجل مجد وصل إليه فيستمر في النفاق، وهناك من يضرب بكل ما وصل إليه عرض الحائط؛ حفاظًا على مبادئه ، ولا يخاف فى الله لومة لائم، وكان العز بن عبد السلام واحدًا من هؤلاء.

نشأ العز في أسرة فقيرة، ولعبت نشأته دورًا في تحصيله للعلم؛ فطلب العلم بعد أن أصبح كبيرًا، وبصبر مستمر، وبجهد متواصل، لمع نجمه في سماء العلم والعلماء، فهل تراه سيبيع علمه لمن يدفع أكثر؛ ليعوض ما فاته في حياته من فقر؟! أم لا يعبأ بمظاهر الحياة وزخرفها ومتاعها الزائل؟!

لعل أبرز ما تعرض له من محن واختبارات هو ذلك الصراع المرير بين «الصالح إسماعيل الأيوبي» – حاكم دمشق –  وبين «الصالح أيوب» – حاكم مصر – فتحالف الصالح إسماعيل مع الصليبيين؛ لحرب أخيه «نجم الدين أيوب» في مصر، واتفق معهم على أن يعطي لهم  مدينة «صيدا» ومدينة «الشقيف»، وأن يخرج معهم فى جيش واحد لغزو مصر.

وجرت الدماء في عروق شيخنا الجليل؛ فصعد المنبر، وأعلن بكل وضوح أن «الصالح إسماعيل» لا يملك بلاد المسلمين ملكية شخصية؛ حتى يتنازل عنها للصليبيين، وأفتى بأنه لا يجوز بيع السلاح للصليبيين، فما كان من السلطان، إلا أن عزله من القضاء، ومنعه من الخطابة، وأمر باعتقاله.

ومع ضغط الناس وغضبهم، اضطر «الصالح إسماعيل» أن يطلق سراح «العز بن عبد السلام» فذهب إلى بيت المقدس، ثم رحل إلى مصر، واستقبله «نجم الدين أيوب»، منحه أعلى المناصب إجلالًا لمكانته، وقد اعتقد أنه بذلك تمكن من قلب الشيخ، وملك نفسه واشتراه.

وكان نجم الدين من الحكام الأشداء الذين لا يجرؤ أحد على معارضتهم، وكان شديد الهيبة، وفى يوم العيد خرج السلطان في موكب ضخم، والأمراء يقبلون الأرض بين يديه، وقطع ذلك الموكب المهيب، والاحتفال العظيم صوت صارخ: يا أيوب – هكذا بدون ألقاب – فالتفت السلطان إلى صاحب الصوت الذي نادي الحاكم دون أية مقدمات أو ألقاب.

فقال له العز بن عبد السلام «ما حجتك عند الله ـ عز وجل ـ غدًا؛ إذا قال لك: ألم أبوئك ملك مصر فأبحت الخمور؟ فقال السلطان: أو يحدث هذا في مصر؟ قال: نعم، في مكان كذا وكذا حانة تباع فيها الخمور، وغيرها من المنكرات ، وأنت تتقلب في نعيم هذه المملكة، فقال: يا سيدي أنا ما فعلت، إنما هو في عهد أبي»، فهز العز بن عبد السلام رأسه، وقال «إذن أنت من الذين يقولون: إنا وجدنا آباءنا عليه، فقال: لا، أعوذ بالله»، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا، ومنع بيع الخمور في مصر.

وبعدها عاد العز بن عبد السلام يلقي دروسه في حلقات العلم، سأله أحد طلابه: كيف فعلت ذلك مع حاكم مصر، فقال: رأيته في أبهة وعظمة فخشيت أن تكبر عليه نفسه فتؤذيه، وأردت أن أعرفه قدرها، وسأله آخر كيف واجهت السلطان؟ فقال «يا بني، استحضرت عظمة الله وهيبته فلم أر أمامي أحدًا». وفي رواية أخرى «لم أر أمامي إلا قطًا»

هكذا كان العز بن عبد السلام القاضى والعالم والشيخ، فماذا فعل هؤلاء اليوم؟ هل اقتضوا بنموذج العز بن عبد السلام، حينما واجه الحاكم والظلم المستشرى فى نفوس الناس والعباد والبلاد، أم قالوا «إنا وجدنا آباءنا عليه؟ هل نظروا إلى الحكام على أنهم شيء غير موجود، أم كانوا قططًا في حضرة الحكام.

ومن المواقف المشهود له فيها، الفتوى التى أصدرها حينما كان المغول على أبواب مصر، إذ اجتمع حاكم مصر بالعلماء، وأخبرهم أنه يريد أن يجمع من الناس أمولًا؛ يمد بها الجيش، ويعده لقتال «التتار»، فقال له العز مقولته الخالدة  «إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمراء ما عندهم من الحلي الحرام، وفرقته على الجيش، ولم يقم بكفايتهم في ذلك؛ عندئذ نطلب القرض من الناس».

فمن الذي يستطيع في يومنا هذا، أن يقاطع حاكمًا ويعترضه ويسمعه ما لايريد ، دون أن يخاف من أحد، إلا الله، بل أين الحاكم الذي يسمع للذي يعارضه، أو يسمح له بالتكلم، دون أن يأذن له بالكلام؟

لقد كان العز، ولم يزل، نموذجًا لهذا العالم الجليل، الذي أتته الدنيا راكعة بكل ملذاتها وأهوائها فقال لها: لا أريدك، لا أريد، إلا أن ألقى الله بقلب سليم، ويد نظيفة، فما عند الله خير وأبقى . فالرجل الذي قضى حياته في مواجهة ظلم وطغيان السلاطين، لم يكن غريبًا أن  يكرمه الله؛ ويلقب العز بن عبد السلام بـ «سلطان العلماء».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد