«عائلة تحيا في منزلها بأمانٍ وسلام بسعادة ودفء، جاء لصٌ ذات ليلٍ مُدلهِم هاجمها وقتل راعيها، واستولى على المنزل، طرد الصغار خارجًا في العراء، لم يبالِ بهم بردٌ يلفحهم أم حرٌ يحرقهم، وجلس في البيت مادًا ساقيه يتنعم بخيراته يتنقل بين أفيائه.

كلُ هذا والجيران في صمتٍ تام وكأنَّ شيئًا لم يكن، بل إنَّ بعضهم دعمه في لصوصيته، والبعض الآخر جاء بالورود والهدايا مهنئًا إياه على إقامته الجديدة، متمنيًا له سنين رخاء، متناسيًا هذا البعض حق الجيرة، وحق الإنسانية الفطري، وحق الطفولة المستباحة المرمية في الشارع بلا مأوى، المحرومة من أمان المنزل، وحق التعليم، ودفء العائلة.

ثار الصغار صرخوا تجمهروا نادوا بعالي الصوت، حملوا الحجارة وقذفوا بها تجاه شباك منزلهم القديم لعل صوتهم يصل، لعل هناك مَن يشعر بهم، مَن تصحو إنسانيته، أو يتحرك شعوره، أو يشعر بتأنيب الضمير.

رد عليهم السارق بالرصاص الحي، بالدبابات، بالمجازر المدعمة بصمت الجيران، الذين وقفوا على شرفاتهم يتفرجون، وحين فتحوا أفواههم، ويا ليتهم لم يفتحوها، صرخوا في وجه الأبرياء العزل المحرومين ناعتينَهم بنشر الشغب والإرهاب في الحي. ما هذا؟ ما تفعلونه ليس حضاريًّا، أرهقتم آذاننا بصراخكم المزعج… التزموا الصمت. أي مش مكفي بعتوا داركم كمان بدكم تجرونا للموت معكم؟»

عزيزي القارئ هذه ليست قصة قصيرة تقرؤها لطفلك قبل النوم، هذه قصة وطني الموجوع دهرًا، المظلوم في ثنايا الزمان، هذه قصة فلسطين، آخر معاقل كرامة الأمتين العربية والإسلامية، قصة وطنٍ يسمى فلسطين بكل وجعه وغربته، ذلك الوطن الذي تُرك وحيدًا في الميدان بلا سند وبلا دعم، تُرك يدافع عن شرف أمةٍ ما عادت تفقه في الشرف شيئًا إلا تسمية سلاطنيها به وهم عديموه، ظل شعب فلسطين خزان الكرامة لأمة باعته بأبخس الأثمان، يُقدم الدم تلو الدم، مجزرة في إثر أختها، مؤامرة تتراقص في ظل مؤامرة، حرب تتلو الأخرى، ولم يستسلم أو يتواطأ، أو يهادن، أو يهون، وحين تكلم العرب عنا قالوا: الفلسطينيون باعوا أرضهم.

هكذا هم غربانُ ليلٍ حلقت فوق أرضنا، سرقت بياراتنا، حرقت بيدرنا، سممت حياتنا عاثت فسادًا في بلادنا، وقتلت شبابنا، وشردت أهلنا بعد مجازرَ دامية على مرأى العالم الإنساني الحضاري أجمع، ثم خنقت من تبقى باحتلالها وحواجزها وسجونها وطني رمادًا تذروه الرياح، أرادوه ومحالٌ لهم ذلك.

ورغم هذا الكم الخرافي من الخذلان، وتخلي الجميع، وتنكُر القريب والبعيد، انتصب شعب فلسطين من قلب رماده كعنقاء ترسم أبجدية الحياة لشعبٍ لم يُخلق للموت، ولوطنٍ لم يوجد للاندثار، وانطلق الفلسطينيون في الداخل والخارج انطلقوا على كافة ثغور بلادهم العلمية، والجهادية، والاجتماعية، والإعلامية، والديموغرافية، والتراثية يحاربون ويناورون، ويتركون لهم بصمة وعمل وإرادة، في كل مجالٍ خاضوا معاركَ حملت تكتيك الكرِّ والفر، لكنها لم تحمل رائحة الاستسلام واليأس، وفي كل ناحيةٍ تركوا صرختهم تشق آذان الزمان، وتمزع ثوب الحضارة البائس، وتكشف عورتها للجميع، وفي كل منحى تركوا لخيولهم صهيلًا ولحجارتهم صدى.

وإحدى هذه المجالات التي خاضوها بقوةٍ وثبات، ولم يسمحوا للمحتل باصطيادهم فيها كأرانب ضعيفة، بل كانوا خيولًا ترمح عزًّا وعلمًا، إحدى هذه المجالات كان فيسبوك، وتشهد مجريات السنوات الأخيرة على وحدة الجمهور الفلسطيني وقوته إعلاميًّا على مواقع التواصل الاجتماعي، وسد الثغرة في وجه العدو، فحالَ دون الإيقاع بنا أو اقتناصنا، الجمهور يتنوع بين إعلاميين، ناشطين، طلابن أساتذة جامعات من فلسطينيي الداخل والخارج، اصطفوا جميعًا للتدوين لوطنهم، وإظهار الظلم الواقع عليهم، وكشف الحقيقة للعالم

ففي حرب العصف المأكول 2014 على غزة لاحظ الجميع وحدة الجبهة الفلسطينية الشعبية، وقوتها على فيسبوك، وتحركها بوعى وعلم ودراية ومسئولية تامة لأحوال المعركة؛ فكتبوا عن جرائم المحتل لكشفها ودحض الرواية الصهيونية، كما أظهروا بطولات المجاهدين بكل عنفوان دون الإضرار بهم، لتثبيت الجبهة الداخلية، فكانت حملات التنبيهات والتحذيرات تصدر أولًا بأول من مجموعات شبابية حملت هم الوطن، ألا تُظهروا أماكن وجود المجاهدين، لا تكتبوا عن أماكن إطلاق الصواريخ، لا تتعاطوا مع الرواية الصهيونية، ولا الإعلام الصهيوني؛ فروايتنا واضحة نسمعها من لسان المجاهد أبي عبيدة _-الناطق الإعلامي باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام- مما أوصل رسالة بالغة القوة للمطبخ الصهيوني في إدارة عمليات المنطقة الجنوبية في جيش الدفاع، مفادها أن شعب غزة جنبًا إلى جنب مع المقاومة، وأن الحرب المعنوية قد فشل فيها الصهاينة تمامًا بل ارتدت حربهم إليهم فوجدنا الخوف والذعر يجتاح المجتمع الصهيوني، وجدناه يُكذِّب رواية قيادته المسخة، وقالوها بلسانهم: لقد أبدع الفلسطينيون في الحرب الإعلامية مقاومةً وشعبًا، إنَّ جبهتهم الداخلية – يقصدون الجبهة الفلسطينية – أكثر قوة وثقة من جبهتنا المتزعزعة، والنجاح هنا بعد توفيق الله، يعود لِكَم الوعي والإدراك الفلسطيني والمسئولية الفردية والجماعية تجاه الوطن، فلم ينتظروا من تنظيم أن يجمعهم وينسق لهم ويعلِّمهم، بل انطلقوا كلٌ بما يستطيع أن يقدم بإمكاناته وقدراته للوطن.

ضفة الشموخ.. تضع بصمتها في المعركة

لننتقل لصفحة عزٍ مشرفة أخرى صفحة المارد الضفاوي (استشهادي الضفة الغربية) متمثلًا في شبابٍ بعمر الورد غض طري، انتفض ليدافع عن حرمات بلاده بلا خط رجعة يحميه، فكان العملاق الشهيد مهند الحلبي شرارة الانطلاقة لانطلاق عمالقةٍ على إثره، فشهيد الفجر فادي علون، ثم كوماندوز السكاكين الشهيد محمد علي، والشهيدان ثائر أبو غزالة، وحسن مناصرة، وعملية إطلاق النار في الباص، والشهيد بهاء عليان، وعمليات السيارات، والشهيد الضرغام علاء الجمل، ثم سلسة قوية أخرى حملت بصمةً أقوى ورسالة أوضح وأصلب، تمثلت في تنفيذ عمليات والانسحاب منها بسلام والاختفاء لعدة أشهر في منطقة يسيطر عليها العدو، ويبصم أماكنها مما استنزفه ماليًّا وعسكريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا كذلك، كانت على يد الشهيد محمد الفقيه، والشهيد أحمد جرار، والشهيد أشرف نعالوة، والقائمة تطول وتمتد وتستمر تضرب وتوجع في العدو كلهم شبابٌ مدنيون أبرياء، واجهوا الظلم الحاصل عليهم بسكاكينهم وسياراتهم وشروخهم أمام جيش تُصب أموال الدنيا لتجهيزه وترتيب عتاده، مصفح بأحدث الدبابات والأسلحة، أجيبونا الآن: من الإرهابي فيهم؟

القدس.. تنتزع النصر انتزاعًا وتقاوم

ثم ننتقل لعروستنا الجميلة القدس في أبهى انتصاراتها وشموخ أهلها الأشاوس أمام المحتل، فلا بوابات إلكترونية أبقوا، ولا لقرار منع رضخوا، ولا لإغلاق مصلى باب الرحمة استكانوا، ولا لإبعاد عن باحات الأقصى استسلموا، وظلوا على العهد حتى اللحظة يُظهرون زيف الرواية الصهيونية وبُطلانها، وكذبها ودجلها، وتزويرها للحقائق والوقائع والتاريخ.

غزة الأبية.. ترش الملح على الجرح وتُصابر

ثم عودة مرة أخرى لغزتنا العتيدة ومحاولاتها المستميتة لكسر حصارها الجائر، عبر مسيرات العودة، وكسر الحصار وأحلى شبابها استماتت بتقديم أرواحها، ومواجهة قناصة المحتل بصدورهم العارية، ببطونهم الجائعة، وأقدامهم الحافية، بأحلامهم المغيبة خلف تلال الحصار، بدمهم كشفوا كذب جيش الاحتلال وجُبنه، وبدمهم كتبوا عن زيف هذه الحضارة المهترئة، وتواطؤ العالم شرقيه وغربيه.

حربٌ في الخفاء

ثم مرورًا بالحرب الاستخباراتية الشرسة التي تدور رحاها بين جيش الاحتلال مدعومًا بأقوى أجهزة تنصت، وأقمار صناعية واتصالات، تدور رحاها مع رجال مقاومتنا المحاصرين والذين لا يملكون إلا إيمانهم بربهم، وعدالة قضيتهم، وعظمة شعبهم الذي يحاربون من أجله، وكذلك إيمانهم بوجوب العمل مهما كان الحال، ومهما تقطعت السبل، وسطروا في هذه الحرب انتصارات قوية تَلَوى منها المحتل ألمًا، فأجهزوا على خلاياه الاستخباراتية في غزة، ونشروا الوعي الأمني لمواجهة محاولة العدو اختراق المجتمع الغزي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي.

الأسرى.. يطرقون الخزان بأمعائهم الخاوية

ثم انتقالًا لمعركة صلبة شديدة البأس بين السجان والأسرى الأبطال في سجون الاحتلال لمواجهة الاعتقال الإداري، ووضع أجهزة التنصت في غرف الأسرى، وتعذيبهم الهمجي، والإهمال الطبي بحقهم، ومنع أهاليهم من الزيارات، والإضراب عن الطعام كان سلاح مرحلتهم.

كل هذه الأحداث سارية على عدة جبهات وثغور، والشباب الفلسطيني، المفكرون، الأهل، الإعلاميون، الناشطون، يكتبون وينشرون عن شهدائهم الذين قضوا بكفٍ تجابه مخرز لحماية حقهم، عن أسراهم وحربهم ضد السجان، عن الجرحى وبتر الأقدام، والقنص المتعمد لهم على حدود غزة، وهم أبرياء عزل، عن المرضى المحرومين من العلاج والطلاب الممنوعين من إكمال دراستهم في الخارج، عن غزة وحصارها الظالم البشع الذي أمامه تهترئ كلمة حضارة وإنسانية، يا قرن الواحد والعشرين.

كل هذا يا مارك لا يعنى في عُرفِك أننا مظلومون، فلست مقتنعًا بوجع حصارنا، ولا فقد شهدائنا، ولا قتل أطفالنا، ولا إبادة أحلامنا، ولا سرقة أرضنا، فشنَنْت حملتَك الواسعة والشرسة ضد المحتوى الفلسطيني، وكل ما يصب في صالح القضية الفلسطينية من الثورات العربية تحت مسمى معايير تخالف المجتمع، ودعم منظمات إرهابية، أو بحجة أنها حسابات وهمية، فحددت الخوارزميات وأعطيت الأمر بحذف المحتوى، وإغلاق الصفحات تكميمًا للأفواه، وفي الآن ذاته تركت الباب «سداح مداح» أمام العدو الصهيوني بصفحاته السامة، كالمنسق، والصفحات الممولة لزعزعة الصف الفلسطيني، خاصة غزة، أسخن نقاط التماس مع العدو، بقيت صفحاتهم يكتبون خلالها تهديداتهم ووعيدهم، وحقدهم الدفين فهذا، في نظر سموك إنسانية ليس إرهابًا ووحشية.

شبابنا الطاهر في نظرك إرهابي لا يستحق أن نكتب عنه أو نمجد فيه، لكنه في نظرنا عنوان بطولة هذا الزمان، مقاومتنا في نظرك إرهابية يجب محاربتها، أما لو كانت مقاومة فرنسية مثلًا لفتحتم لها المجال؛ لأنها تعبر عن الإنسانية وقيم العدالة والحرية! إليك أيها الجبان المُحرِّف للحقيقة، مقاومتنا هي أشرف ظاهرة، وأطهر صورة، وأنبل أخلاق لجبهة مقاومة ونضال جاد الزمان بمثلها يومًا.

لا يهمنا رأيك فينا ولا يهمنا محاربتك لنا، ومهاجمتك لبلادنا، فأنتم بحضارتكم اللاإنسانية ولا يحزنون تكشفون وجهكم القذر يومًا فيومًا، وبأفعالكم تظهرون صلابة معدننا الحضاري أمام اهتراء مبادئكم الواهية، بما فعلت يا سيد مارك أنت حولت فيسبوك من أداة للتعبير والتنفيس والتعرف إلى الآخر والتواصل معه، إلى أداة قمعية لا تختلف البتة عن هروات الأنظمة الفاسدة الظالمة، ولا تختلف عن قذائف دبابة الميركافاه، أو صواريخ الطائرات، فإياك أن تظن أنك ستنجح فيما فشل فيه الآخرون، نَفَس الفلسطينيين طويل طويل، أطول مما تظن وتتخيل، وإلا برأيك ما سر ثباتنا على نضالنا وعدم انحرافنا عنه طوال هذه السنين، نحن الـ«لا» الصارخة منذ السنين الممتدة عبر الزمن، لا يردها صاروخ أو قذيفة أو مدفع، أو ما يسمى بفيسبوك، نحن الـ«لا» وصداها وصراخها ومداها، نحن لا نُخمد ولا يستطيع أحد أن يُكبل صوتنا؛ لأنه هدار يحمل ثبات جبل الجرمق، وجرزيم لأنه الحق القوي في وجه الباطل البائس يا هذا.

على مدار ثورتنا وانتفاضاتنا لم يستطع أحد حجب حقنا أو تزويره أو تمريره برواية مهجنة، حاولوا مرارًا وتكرارًا لكنهم باؤوا بالفشل الذريع، بما فعلت أنت جندت شركتك لصالح أهواء حيوانية تجري في دماء الظالمين، بفعلتك أنت خسرت لم تربح ولن تربح.

هل سمعت يومًا أن الشمس تُغطى بغربال؟

هل رأيت يومًا حقًّا يموت وشبابه تطالب به في كل لحظة، وتضرب صدرها بكل جبروت استعدادًا لدفع الثمن؟ كيف يموت هذا يا هذا؟

سنقف على حدود بلادنا بالمرصاد كلما طلبت قدّمنا، وكلما استناخت جُدْنا، وكلما استغاثت لاتكائةٍ صلبنا ظهورنا أعوادًا لها، رموز نحن للعالم في فن تلبية النداء، وصد الهجمات بارتدادةٍ أعنف، بعيونِ صقرٍ نرقُبُكم، تارةً تلمع ببندقة، وتارةً تتلألأ بقلم وكان الحجر هو بداية المسير.

مؤامراتكم لن تمر، تضليلكم لن يُغشي وجه الحقيقة، هنا نحن شيبًا وشبانًا صغارًا وكبارًا رجالًا ونساءً، هنا نحن على حماها نرابط ونصون كل ثغر.

وما فشلت فيه الإف 16 لن ينجح فيه فيسبوك، فنحنُ قومٌ لا نُقلع فانقلع، ولا نتراجع فتراجع، ولا نندحر فاندحر، ولنا في التاريخ صولاتٌ وجولات، فانظر إليها ولا تُتعب نفسك معنا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد