بعد ست وثلاثين سنة من الإجرام تختتم شياطين الموت «الإسرائيلية» مسيرتها الحافلة بالقتل والتنكيل والتدمير تاركة خلفها بصمة ألم وأسى وحزن في كل بقعة زارتها هذه الشياطين التي اتصفت واتسمت بسمة الغدر. لطالما أفزعت الآمنين وروعت المدنيين بسهامها التي ترميها من ارتفاعات تجعلها أشبه بحجارة السجيل التي رمى الله بها أصحاب الفيل، إلا أنها اليوم حجارة الجحيم التي يرميها أصحاب فيل هذا الزمان على أهل الله في الأرض.

طائرات F16-NETZ الأمريكية الصنع «الإسرائيلية» الاستخدام دخلت إلى الخدمة العسكرية للجيش «الإسرائيلي» عام 1980م وذلك بعد خسارة «إسرائيل» لـ 102 طائرة حربية مقاتلة خلال حرب أكتوبر عام 1973م وفي ظل نشوب الثورة الإيرانية بقيادة الخميني وسقوط الشاه الإيراني ما شكل تهديدًا «لإسرائيل». شهر يوليو من العام 1980م شهد هبوط أول 4 مقاتلات من نوع F16 في مطارات الاحتلال العسكرية.

العملية «الإسرائيلية» الأولى التي شاركت فيها طائرات الإجرام F16 كانت عملية «أوبرا» العسكرية عام 1981م التي استهدفت مفاعل العراق النووي الذي اشتراه العراق بقيادة صدام حسين من فرنسا وأطلق عليه اسم «مفاعل تموز». المفارقة في هذه الضربة كانت أن الطائرات الحربية التي شاركت في هذه العملية وعددها 8 طائرات كانت معدة للبيع لإيران مسبقًا إلا أن قيام الثورة الإيرانية عطل الصفقة ليتحول مسارها فيما بعد إلى «إسرائيل» لتمارس بغيها وطغيانها ضد أهدافها.

أسابيع قليلة بعد عملية «أوبرا» في العراق شهدت ضربة عسكرية جديدة باستخدام طائرات الـ F16 استهدفت طائرة الميغ السورية التي حاولت اعتراض طائرات هليكوبتر «إسرائيلية» توغلت في الأراضي اللبنانية. نقشت تلك العملية في التاريخ كونها أول عملية إسقاط طائرة مقاتلة في السماء باستخدام طائرة F16 تلاها عام 1982م غزو لبنان الذي أسماه الاحتلال بعملية «السلام من أجل الجليل» التي لم يكن لها من اسمها أي نصيب، سنوات من الحرب والقتل والتدمير والتنكيل، إبادة جماعية مورست ضد اللاجئين الفلسطينيين وضد أهالي لبنان، قتلى وجرحى في كل المدن، عصابات انتشرت بإيعاز «إسرائيلي»، مذابح راح ضحيتها الآلاف في ظروف ساعات محدودة، مجازر كانت طائرات الـ F16 أحد أبرز أبطالها.

الأول من أكتوبر عام 1985م شهد جريمة جديدة للاحتلال «الإسرائيلي» وطائراته الـ F16 وهذه المرة كانت في تونس، حيث قصفت هذه الطائرات مقر منظمة التحرير الفلسطينية في ضاحية حمام الشط الذي اتخذه الفلسطينيون مقرًا لهم بعد إجبارهم على النزوح من لبنان بعد الغزو. 68 شهيدا انقسموا إلى 50 شهيدًا فلسطينيًّا و18 تونسيًّا قضوا في تلك الغارة «الإسرائيلية» ونحو 100 جريح أصيب خلال القصف.

قائمة طويلة من الاغتيالات «الإسرائيلية» ضد شخصيات ونشطاء وقادة فلسطينيين كتب لها التنفيذ عبر هذه الطائرات. قذيفة من قذائف الموت «الإسرائيلية» تزن طنًّا من المواد المتفجرة كانت تحملها شياطين الموت F16 ألقتها على عمارة في حي الدرج في مدينة غزة عام 2002م استهدفت انتزاع روح قائد كتائب القسام الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس صلاح شحادة، إلا أنها لم ترحم في طريقها 18 فلسطينيًّا بينهم النساء والأطفال قضوا نحبهم في ذات البناية التي كانت تؤوي الشهيد.

الأول من يناير عام 2009م شهد استهداف نزار ريان وهو أحد قادة حماس حيث اغتيل مع عائلته في بيته في شمال قطاع غزة بصواريخ أطلقت من طائرات الـ F16. في ذات الشهر من ذات السنة استهدفت ذات الطائرات منزل وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام لتسجل اسمًا جديدًا في قائمة ضحاياها الطويلة. نوفمبر 2012م شهد اغتيالًا جديدًا لأحد أبرز قادة الشعب الفلسطيني وكتائب القسام، أحمد الجعبري بطل عملية التبادل التي مثلت أحد أكبر إنجازات المقاومة الفلسطينية في تاريخها، صفقة شاليط. أبو شمالة والعطار وبرهوم الذين ارتقوا عام 2014م أيضا تم اغتيالهم بصواريخ طائرات الـ F16 «الإسرائيلية». وأخيرًا في العام 2016م وجه حزب الله اللبناني أصابع الاتهام نحو الاحتلال «الإسرائيلي» متهمًا طائراته الحربية باغتيال سمير القنطار أحد قادة الحزب العسكريين في منطقة جرمانا في العاصمة السورية دمشق.

سلسلة من الحروب خاضها الاحتلال «الإسرائيلي» كان لسلاح الجو المتمثل بشكل رئيسي بطائرات الـ F16 الكلمة العليا والنصيب الأكبر من عدد القتلى خاصة من المدنيين والنساء والأطفال. حرب تموز 2006م في لبنان التي استمرت لـ 34 يومًا وراح ضحيتها 1200 شهيد لبناني ثلثهم من الأطفال دون سن الـ 12 عامًا. غزة التي بدأ الحصار «الإسرائيلي» يفتك بتفاصيل الحياة فيها تعرضت لحرب شعواء في ديسمبر 2008م ويناير 2009م حيث استمرت لـ 22 يوما شهدت ارتقاء ما يزيد عن 1380 شهيدا. حرب 2012م على غزة مجددًا التي استمرت لـ 8 أيام استشهد خلالها 164 فلسطينيًا. وأخيرًا كانت الحرب «الإسرائيلية» 2014م وهي أعنف حرب شهدها قطاع غزة استمرت لـ 51 يومًا ارتقى خلالها أكثر من 1700 شهيد ثلثيهم من المدنيين، نصفهم من النساء والأطفال العزل.

سيظل هؤلاء الآلاف من الضحايا يلعنون هذه الطائرات التي لطالما نهشت من لحومهم ومن لحوم أبنائهم، ولطالما تركت بصمة الخراب والدمار في بيوتهم وشوارعهم وأزقتهم. أعلن جيش الاحتلال سحبها من الخدمة العسكرية، لكن الجرح الغائر التي أحدثته في بلادنا سيظل مفتوحًا حتى يعلن الوطن المسلوب سحب الاحتلال من جنباته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد