لكل تجمع بشري تقاليده التي تترسخ عبر ملايين السنين، تتوارثها الأجيال بشغف، تتلوّن بالدين والأعراف، تغلفها الإلزاميات المختلفة، وتحرسها الطاقة التي تنتصب بدعوات الوجوب، فلا خيارات في دائرة العادات، ولا مجال لثبوت حق الاختيار في ساحات معابد التقاليد، ولا وجود للإنسان أصلًا في لوحة رسمها له الآخرون، وفرضوا عليه أن تثير إعجابه، لأنّ الأمر حينما يتعلّق بالتقاليد، فالسلطة العليا تصبح بيد تركات الأزمان، ورواسب الشرف والأصول، وحتى مقتضيات الإيمان وعمق الأداء الاجتماعي.

التقاليد هي قلاع اليقين، فلا يمكن أن نتصوّر إنسانًا محافظًا يشك في التقاليد التي يتبعها، يتحدث عنها بصخب، ربما تجده يشك في الدين الذي يتبعه وراثيًا، لعله قد يضع القانون ضمن حقل النقاش والتعديل، لكن التقاليد هي بالنسبة له أكثر قداسة حتى من أن يشك فيها الفرد بينه وبين نفسه، لأنّها فقط رابطة بين الأجيال، رابطة تحوّلت إلى هُوية بقدرة قادر، دين منزّل من أفئدة البشر يتحكم بالثواب والعقاب، وينساب ليكافئ المنتسب إليه برتبة: فرد عادي، والمخالف له بلقب: عدوّ فاجر، والمتمرد عليه بـ: ما يجب محاربته حتى بعد موته.

تكتسب التقاليد قداستها من قوة السلطة التي تهيمن على الجانب المحرّك واللا-واعي لدى الإنسان، يتصاعد لديه إيمانه المخلص بتأثير تلك السلطة حتى تكتسب بداخله صبغة المرجعية المنزهة التي لا تخطئ، وهذا ما يبرر عدم اكتراث الأفراد بألم الفرد الذي تعاقبه التقاليد، وعدم الابتهاج بمن يتبعها كمن يتّبع التراتيل.

التقاليد تجعل الإنسان يتنازل عن حقه في الوجود، يصبح مجرّد أداة في يد الزمن الغابر وأحكام الأسلاف، وهذا ما يفسّر تجريم «الحرية الفردية» وحتى «التفكير المستقل» لدى المجتمعات المحافظة، هي تقتل الإبداع، وتحارب التفلسف، تستقي خطابها من الوجدان وتحكم على العقل بالإعدام، يلعب فيها العبيط دور الحكيم، والعاقل دور المجنون، والمدافع عن الحريات دور المرتد الذي يجب رفع راية الجهاد ضده.

في صدر الإسلام ما منع الكفار من النزول تحت راية الإيمان بالدين الجديد هو التقاليد، وسؤال أبي جهل لا يزال يتردد في هذا الصدد حين قال: كيف لنا أن نتخلى عن دين آبائنا وأجدادنا؟ ولنا في المثال الصيني أيضًا مثال بارز لمدى عرقلة التقاليد لتطوّر الأمم ورفاهها، فلولا شيوعية الفلاحين الصينيين لبقيت الصين في عصر ما قبل حروب الأفيون، ولولا ثورة التنوير في أوروبا ضد تقاليد الكاثوليك لما تفجّرت العلوم وازدهرت الحريات وانتفخ الوعي الأوروبي إلى حدّ البدانة، ولولا ليبرالية «أمريكا» التي تتمرّد عن كل تقليد لما سادت العالم.

قد يسأل سائل عن حكم المتمرّد الذي يعيش في مجتمع توجهه التقاليد وتمثل قلبه النابض؟ ويمكننا القول في هذا المجال إنّ للحياة عالميْن، لربما قد عبّر عنهما العبقري مونتسكيو أعظم التعبير حين رفع النداء عاليًا بوجوب سيادة القانون بالإيمان بروحها الحية، ولنا في النموذج الأمريكي أبهى الصور في ذلك، والنموذج الياباني أجلّ اللوحات وأعطرها.

النموذج الأمريكي يحتضن كل تقاليد أجناس الأرض ويضع الثقافات في البيوت ضمن حرية فردية تامة أو في مجمعات خاصة بها وبتوجيه القانون الذي هو الضابط الوحيد للجميع، بينما في اليابان تزاوجت التقاليد بالعصر فصرنا نشهد الروبوت الذي يلبس الحلة اليابانية التقليدية عبر آلاف السنين.

بعيدًا عن أمريكا ذاك العالم الأوّل، واليابان ذاك الكوكب الغريب، في الجزائر الأمر مختلف، فبدل أن تسود التقاليد البيوت فقد سادت الأمة والدولة معًا، وبدلًا من أن تتزاوج التقاليد مع العصر فقد تزاوجت بالجهل، وهذا ليس من باب التجريح أو التهجّم على حرية فرد أو فئة بعينها، لكنه من باب ردّ المظالم لا غير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد