ظهرت القومية التي يُمكن وصفها بأنها واحدة من العوامل التي أدت إلى نهاية عصر الإمبراطوريات في أوروبا، على الساحة مرة أخرى. من الشرعي والضروري أن يشعر المرء بالحب والرغبة في حماية الأمة التي ينتمي إليها. ومع ذلك، فإن الكراهية تجاه الدول الأخرى، أو السعي إلى فرض الهيمنة عليها، باسم محبته لوطنه، هي وجهة نظر خسيسة. يحمل الاتجاه القومي الذي ظهر مؤخرًا في أوروبا بين طياته عناصر متطرفة تنطوي على هذه النظرة الخاطئة، ويُرجع البعض ذلك إلى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا، بينما البعض الآخر يدعي أن ذلك نتج من تدفق اللاجئين، في حين ربطها آخرون بالسياسات التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي.

على الرغم من أن السبب الرئيسي لا يزال مسألة خلافية، فإن الخطابات والأفعال القومية المتطرفة التي أصبحت سائدة بشكل متزايد في أوروبا هي حقيقة لا جدال فيها. فقد تسببت حادثة اعتداء الشرطة الألمانية، في مدينة زولينغن، على رجل من أصول تركية، خلال رده على أنصار تنظيم بي كا كا الإرهابي، وعمليات القتل التي ترتكبها الخلية النازية الإرهابية المتطرفة (NSU)- في إحداث صدمة شديدة للمجتمع الألماني، كما تُعد مذبحة جزيرة أوتايا التي قام بها أندرس بهرنغ بريفيك في النرويج علامة مأساوية وملموسة على المدى الذي يمكن أن تصل إليه القومية المتطرفة.

تعتبر حركة بيغيدا -وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب-، وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحزب يوبيك -الحركة من أجل مجر أفضل- وحزب الفجر الذهبي اليوناني، وحزب فلامس بيلانغ -المصلحة الفلمنكية-، وحزب تحالف الهجوم القومي البلغاري، أمثلة قليلة على الحركات القومية المتطرفة التي برزت مؤخرًا في أوروبا. يرى أعضاء هذه الحركات، التي تحركهم إلى حد كبير المشاعر القومية العرقية المتطرفة، أنها فضيلة عظيمة أن يكون لديهم شعور قوي بالانتماء إلى مجتمعاتهم المحلية، ويسعون إلى ترسيخ وجهات نظرهم حول المفاهيم التي تشكل جزءًا من إيمانهم بالتفوق المتأصل في ثقافتهم. يغذي هذا الاعتقاد الخاطئ الشعور بعدم الثقة والارتياب والخوف تجاه الأقليات، وهذا يجعل من المستحيل عمليًّا على الأقليات ذات الأصول العرقية المختلفة أن تحتضن الأراضي التي يعيشون فيها باعتبارها وطنًا لهم، والأمة التي أصبحوا ينتمون إليها بوصفها أمتهم.

يرى القوميون أصحاب الفكر العرقي المتطرف أنه يجب ترحيل الأجانب تمامًا. بل إنهم يعتبرون بعض المواطنين، الذين ولدوا ونشؤوا في بلدانهم، أنهم أجانب بسبب أصولهم العرقية المختلفة، ويريدون منهم إما أن يندمجوا في ثقافتهم ويصبحوا جزءًا منها وإما أن يغادروا البلد. كما يطالبون الدول والمؤسسات الاجتماعية بفرض قيود ثقافية واجتماعية مختلفة عليهم. وفي بعض الأحيان، يصلون إلى مراحل متقدمة في تطرفهم، بالهجوم على المدارس وأماكن العبادة التي تنتمي إلى هذه الأقليات.

ثمة شكل آخر من أشكال القومية غير القومية المتطرفة، يتمتع بمظهر إنساني أكثر: وهو القومية المدنية. من نواحٍ عديدة، تتسم القومية المدنية بالخصائص المعاكسة للقومية العرقية. ولذلك تُعد أبرز سمة من سمات القومية المدنية هي احترامها المتساوي لجميع المواطنين في المجتمع. ولا ينطوي هذا الشكل من أشكال القومية على مفاهيم التفوق العرقي على «الأجانب». وبالتالي، لا يوجد أشخاص يحتاجون إلى الاندماج أو النفي أو الإبادة، وهكذا يتم استبدال سياسات العنف والتوتر التي غالبًا ما تميز القومية العرقية بمقاربة إيجابية تجاه التنوع الثقافي في المجتمع الذي يميز القومية المدنية، مما يسمح لكل فرد بالحفاظ على الصفات الثقافية، مثل اللغة والأزياء والموسيقى والرقصات الشعبية للمجموعة التي يرون أنفسهم جزءًا منها. في هذا الجانب من القومية، تُحدد المواطنة وليس الأصول العرقية، الهوية الرئيسية لجميع أفراد المجتمع، في حين أن الولاء للدولة يحظى بمكانة أعلى من الولاء للهوية العرقية.

لا يُنظر في المجتمعات التي تتبنى القومية المدنية، إلى الهويات العرقية المختلفة التي يربطها نمط حياة مُشترك على أنها قضية. فهم يعملون معًا، ويأكلون معًا، ويمرحون معًا، بل ويندمجون معًا من خلال الزواج، ولذا تتمتع القومية المدنية ببنية مفتوحة يرتبط فيه المواطنون برابطة صادقة تتسم بالإخلاص.

كما هو مذكور في البداية، إن من أكثر الحقوق الطبيعية لكل شخص أن يحب ويفتخر بعادات ولغة وثقافة ووطن الأمة التي يعتبرون أنفسهم جزءًا منها. ومع ذلك، عندما يتجاوز تعريف «القومية» هذا الشعور بالاحترام المتبادل والحب إلى المُثل العليا «للعظمة والتفوق»، كما هو الحال في القومية العرقية المتطرفة، تحدث الكوارث.

تزيد بعض الأحزاب السياسية الأوروبية التي تدعو إلى وجهات النظر القومية العرقية المتطرفة اليوم بشكل مطرد من أصواتها من خلال السياسات الشعوبية التي تنتهجها. وإذا أدركنا أن النزعة القومية المتطرفة تكتسب زخمًا بين العديد من الناخبين، فإن بعض الأحزاب الديمقراطية والوسطى تتبنى أيضًا خطابًا مماثلًا، وتحجم عن الرد بشكل مناسب على كراهية الأجانب، يمكن رؤية أمثلة على ذلك في النمسا وألمانيا وهولندا.

ومع ذلك، يمكن للحكومات الأوروبية، سواء تلك التي تميل نحو اليسار أو اليمين أو الوسط، أن تتصدى إلى المناخ العدائي الذي أوجدته القومية العرقية المتطرفة من خلال برنامج تعليمي، والوقوف ضد كل أنواع التطرف من خلال العمل بالتنسيق مع مختلف مبادرات الشراكة التعليمية والثقافية، ومواجهة الجهل. وعن طريق حشد ثقافي متعدد الأوجه مدعوم من السياسيين وقادة الرأي والفنانين، يمكن إثبات أنه من الممكن لأشخاص من أصول دينية وعرقية مختلفة أن يعيشوا حياتهم معًا متحررين من التعصب، وذلك من خلال التخلي عن ثقافة الصراع، وتبني المحبة والسلام بدلًا من ذلك.

عندما يسود التعاطف والسلام والرفاهية في أوروبا، ستتوقف القومية المتطرفة عن تهديد جميع الدول في القارة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، من الأهمية بمكان أن يعمل أنصار السلام والمحبة والتفاهم، الذين يبذلون جهودًا كبيرة لتجنب التحريض على الصراع والنزاعات، من أجل حياة أفضل للجميع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد