تمرُ الأزمة على الْوَاحِد مِنا، فيمشي والهمُ نديمَه، وفجأة تنفرج كمن وَلِج بابًا بساحِة ملاهي، أفضت نحو جوٍ جديد، يمضي ولم يَذكُر أي أزمة مرتْ، وإن ذَكرها، فكأنها -هي هي التي بالأمس- ماضٍ سحيق لم يَعشه، بلّ أحيانًا يَظُنها مرت بأحدٍ غَيره!

لن يكون مستغربًا أن يصرخُ المرءُ مجاهرًا «ربي إني مغلوب فانتصر»؛ فلا يجدن من غُثاءِ السيل من حوله من يُنقذه أو يشتبك لنُصرته، فوالله لهي أصول المعركة! معركةُ الخلاص والتخليص، فالعباد حقوقهم كُلها علاقاتٍ مُرتبطة، اليوم ظَلمت، فغدًا ستُظلم لا محالة، واليوم ظُلمتْ، فغدًا سيلقى ظالمك الظُلم نفسه وربّما أكبر ولا محالة. ولكن العقل يقتضي أن يجتهد الإنسان في دفعِ الظُلمَ عن نفسه، وعن أخيه، وعن كافة النّاس إذا ما استطاع، عملاً أو قولاً!

و للظلم ثلاثةِ أوجه لا رابع لهم، الأول هو معرفة الله! فلا حق ضائع في الدنيا إلا والله من وراءِه مُطالب عنك أيها المظلوم، والثاني، معرفة الناس، فعلى أعتاب ظلمك ستعرف جيدًا موقع قدمك في النهر! أما الثالث، فهو الاستكانة ومعرفة قدر النفس التي ربما افترت يوما بمقدرتها، على غريب أو فقير أو ضعيف، فساق الله لها من ينكل بها أضعاف ما فعلت لاستشعار قوة الله فوق قوتك المؤقتة التي ظلمت بها مظلومًا بات بالأمس يدعو عليك!

أصل بلاء الهمة هو التسويف، فهي من النواهي في القرآن والسنة! والتسويف في حالتنا هو الارتكان على نتائج ما لا تصلح من الأصل تجربته، وكأننا نذعن وبعين الصغارة أن يستعملنا أحدهم في قول أو فعل، ليستنتج حسبما ارتضته أهواؤه قولاً أو فعلاً، وساعتها ستكون إجابة ضمنية منا أننا ارتضينا بالصغارة وتركنا ما هو أوسع من ذاك المنظور الضيق! فالمرء إذا عمل لقضية ما، لحريٌ به أن يجد أغلى ما فيها فيتمسك، أما الزائلات فهن عارضات لا يكدن ينتهين من سير الحوادث، فلا أصل لهن ولا اعتبار. وللدمِ حُرمة تسقط بمضاهاتها أي اعتبارات رمزية كانت على الحق بائنًا بائن أم اشتبه على الجميع أحقيتها، فلزم وقتها الاشتغال بما هو أولي عما هو نتاج حاصل!

قد يظن المرء بربه الضيم، ولكن لله تدابير قاصرة على أذهاننا استحضار حكمتها في كثير من توقيتاتها الآنية، والظلم هو أحد التدابير التي عهدنا الحق خارجًا من جوفهِ وليدًا مُمتلئًا بالحياة تاركًا وراءه جيفة لا قيمة لها تذروها رياح العهد بالله وإدراك حكمته والطمأنينة لما كان من أصل التدبير وتأنيب النفس على سوء اليقين!

إنّ الله لا يظلم عبدًا بابتلائه. ولو كانت الابتلاءات ظُلمًا لما أصابت الأنبياء!

فلقد اُبتلي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مواطن عِدّة، فذاق اليُتم أبًا وأمًا، وأُوذي من أقربِ أهله، وهُجِّر عن مراتِع طفولته وشبابه، وكُذِب وجاع واستقتلوه وأُصيب، و قُذِف في عِرضه، ومات عياله في حياتِه وتُوفي محمومًا.

وهو من؟! هو النَّبِي المُكَلف بالرسالة، أمين أمين سِر السَّمَاء، صاحبُ العصمة، أعظم رجال عَصره وأخطرهم مهمة ومكانة!

ولم يذُق الرَغَد ولم يَعرف الدِعة!

يُقال عن الله في الإنجيل He hath his mysterious ways؛ أي: له أعاجيبه!

ومن أعاجيبه –جلّ وعلا– أنّه عَرِّف مِنّك قوة واصطبارًا وجَلدا لا تَعرِفه حتى أنت عن نَفسِك، وكل مشقة، كلُّ ابتلاء، كلُّ معصية، كلُّ طاعة، كلُّ دمعة، جاءت على الروح والجَسد بالتطهير، هي من أعاجيبه، هي «دار التمارين» المجانيّة لك، لِعلمه عنك القوة، لعلمه عنك «الخليفة».

تحمل قدّرك بشجاعة، وواجه المصاعِب بوجه الرِّضا، كمن يقول: «عَرِّف الله عني القوة، عَرِّف الله عني الشجاعة»!

وتوقف عن مسألة الله فيك وعنك ولماذا؛ فلا هو هو ليُسأل، ومن أنت لتسأل؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد