هل تم توقيفك ذات مرة وتم توجيه أمر لك بفتح هاتفك للاطلاع على منشورات الفيسبوك على الحساب الخاص بك؟

هل تتخيل أنه يمكنك توجيه طلب لجوء سياسي لدولة أخرى وتقدم من ضمن مستندات الطلب «سكرين شوت» لمنشورات على فيسبوك أو غيره؟!

قرأت منذ عدة أيام أنه خلال مائة عام من الآن، سيكون هناك ملياران من الحسابات لأشخاص ماتوا على الفيسبوك، ويمكنك الآن تفعيل خاصية تمكن ورثتك من الاستفادة من حسابك بعد موتك بأن تختار مجموعة أشخاص ذوي ثقة لهذا المهمة.

ظلت الأنظمة الديكتاتورية قرونًا طويلة تعيش على كبت الأصوات الحرة بالترغيب والترهيب وبكافة الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة والتكتم والتستر على أدوات القمع وتكميم الأفواه، حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وزاد نشاطها خصوصًا مع نهايات العام 2010 وانطلاق ما عُرف بـ«الربيع العربي» ودور صفحات الفيسبوك تحديدًا في التجميع والتخطيط والحشد.

توافر مساحات الرأي الحر وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي –سنفرد مقالا كاملا لآثارها السلبية على نفسية واجتماعيات أفراد المجتمع لكن هذا ليس مقام كشف هذه الآثار– وفي مقدمة التواصل الاجتماعي الموقع الأشهر في العالم حاليًا «فيسبوك» الذي تتفق أو تختلف معه صار منصة أخبار وتواصل رقمي لا يستغني عنه مئات الملايين من البشر يوميًا وكما يقدم الغث من المعلومات يمكنه أن يقدم الثمين منها،وهنا بدأ العداء بين الأنظمة الديكتاتورية وكل مساحات الرأي الحر يكفيك أن هذا الموقع الذي تقرأ عليه هذا المقال محجوب تمامًا في بعض البلدان.

يمكنك أن تخبر الآلات من البشر بضغطة زر واحدة بقصة مظلوم أو بتفاصيل حادث أو غيرها مما لا يتيح الإعلام الرسمي التحدث فيها، وجدير بالذكر هنا أن هذا أغرى ذوي النفوس المريضة والنيات السيئة بنشر الإشاعات والسب والقذف والتشهير، وكل هذا يعتبر حاليًا جرائم يعاقب عليها القانون إن استطعت إثباتها!

شاهدنا ونشاهد يوميًا مئات القصص التي تنتشر على الفيسبوك طلبًا لمساعدة عاجلة أو سؤال أو استشارة في أي منحى من مناحي الحياة وغيرها، فهو باب لخير كثير أو شر كبير كما هو حال كل اخترعات التكنولوجيا الحديثة مما يؤكد على أهمية هذة المنصات الافتراضية في الحياة الحديثة.

وبالطبع مساحة مثل هذه لا بد وأن تشكل خطرًا حقيقيًا على كل نظام لا يسمع إلا الصوت الواحد حيث يمكن لأي مخالف أن ينشر فكرة مختلفة ويطرحها للناس ويحدث حالة من الجدل لا تفضلها الأنظمة الديكتاتورية عمومًا، فضلا عن أن الأبحاث الاستراتيجية الحديثة تعتمد آلية قياس رد فعل الناس علي فيسبوك باعتباره معيارًا لقياس رأي عام أو نبض الشارع أو في تمهيد لقرار خطير بقياس حالة «جس نبض» عن طريق تسريب مقصود وقياس رد الفعل عليه.

كما تعتمد الأنظمة الديكتاتورية حاليًا آلية في غاية الخطورة ألا وهي سياسة «خليهم يتسلوا» بأن تراقب المجال الافتراضي وتترك الناس يقومون بثورة افتراضية لا قيمة لها في الواقع، عن طريق التنفيس في منشور أو فيديو واطمئن لن يتعرض لك أحد إلا إن كان كلامك تجاوز كل الخطوط الحمراء الوهمية واتنشر وأحدث صدى أكبر من العادي.

غالبًا تلجأ الديكتاتوريات لآلية الثورة الافتراضية وتنجح في كثير من الأحيان في تهدئة الرأي العام واحتواء ردود الأفعال الغاضبة حتى تهدأ الموجة وتمر  الأيام وينسى الناس ماذا أكلوا بالأمس في حياة سريعة متغيرة مضطربة يمكن لمنشور واحد على فيسبوك أن يغير حياتك إلى الأبد.

سيظل العداء دائمًا بين آلات القمع ومساحات الحرية وسيشتعل الصراع الافتراضي، حتى يُحدث حراكًا واقعيًا على الارض في حين سيظل هدف الديكتاتور الأوحد أن يحصر الصراع في المساحة الافتراضية التي يمكنه السيطرة عليها ورُب كلمة هزت عرشًا ظن صاحبه أن الدنيا تدوم له أو لغيره وإن غدًا لناظره لقريب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد